Social Icons

03‏/07‏/2011

القيادة الجنوبية وأبعاد المرحلة السياسية

القيادة الجنوبية وأبعاد المرحلة السياسية

منذ بداية الوحدة اليمنية في مطلع عام 90م وخاصة على الصعيد العملي ، لا على الصعيد النظري للوحدة اليمنية أنصدم الشعب الجنوبي قيادة وشعباً ، بالممارسات العملية التي وجدوها بانفتاحهم على المناطق الشمالية ، سواءً أكان ذلك في معسكرات الجيش والوحدات الاندماجية المشتركة ، أو في المؤسسات الحكومية والوزارية ، حتى على مستوى رئاسة الجمهورية أصبح النقاش حول قضايا البلد والدولة في مقايل القات ، بينما كان في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في المقرات الحكومية ، وفي إطار الدوام الرسمي ، والبرتوكولات الخاصة ، وأما على الصعيد الشعبي ، فلقد توافد المواطنون من المحافظات الشمالية وبخاصة بعد عودتهم من الخليج بسبب الحرب بإعداد كبيرة ، ونظراً لكثافتهم السكانية وقلة الفرص العملية في المناطق الشمالية تم اندفاعهم في مختلف المحافظات الجنوبية ، وانخراطهم في مختلف المهن العملية ، ومن خلال المعايشة اليومية والمبادلة التجارية والعملية ، بدا الشعب يكتشف عمق تلك المشكلة.

أما على مستوى الدولة فقد تجذرت المشكلة بالدرجة الرئيسية الأولى بتركيز الإعلام المختلف على أمور مهمة وخاصة أن الجنوب اشتراكي وبأنه لا يؤمن بالدين الإسلامي ، بل ويحاربه ، ويستطيع أن يحول الشمال الإسلامي إلى نفس التركيبة الاشتراكية ، وانه الخطر القادم على اليمن لا محالة، فإذا لم يُقتلع فانه سوف يؤثر في البلاد والعباد ، وانعكس ذلك عند المواطنين عندما أصبحوا يرددون نفس الأفكار والعبارات ، بل أصبح التعامل مع الجنوبيين بمنطلق الحذر واخذ الحيطة ، بينما أبناء المناطق الجنوبية يندمجون في التعامل مع إخوانهم من أبناء المناطق الشمالية بكل حب وتقدير واحترام ، بل أصبح التأثير الإعلامي واستغلال العاطفة الدينية هي المسيطر على الكثيرين ، ولوحظ ذلك عند كثير من أبناء الجنوب الذين أصبحوا ضد إخوانهم في المحافظات الجنوبية بحجة أنهم كفار واشتراكيين ، ولا بد من تطهير اليمن من ذلك المرض الخبيث ، ولم يعرفوا أن الأمر اكبر من ذلك بكثير .

استمرت هذه المعركة الإعلامية التشويهية يروج لها الكثير من الكتاب والمفكرين وعلماء الدين ، بل وأصبحت الفتاوى الجانبية في كثير من مراكز التعليم الديني تكرس تلك الفكرة وبقوة ، واستغلت الحكومة بمثلة بزعيمها الرمز القائد وصانع الوحدة وكثير من الزعامات القبلية والعسكرية والدينية النافذة تلك الأفكار ، بل وأصبحوا يدفعونها بكل ما أوتوا من قوة .

بل أنهم استطاعوا أن يديروا اللعبة باحترافية ، بينما قيادات الجنوب يعيشون في ظل الرومانسية والفلل والشقق الفارهة ، والأموال التي أُعطيت لهم في صنعاء ، ولم يعرفوا ان تلك الأموال قد دُفعت ديةً لأجسادهم مقدماً ، ولم تتنبه القيادة العسكرية الجنوبية للضوء الأخضر الذي أُعطي لقادة الوحدات العسكرية الجنوبية من قبل السلطة الحاكمة لتفكيك المعسكرات والوحدات العسكرية وخلخلتها من الداخل حتى يتسنى الانقضاض عليها وتدميرها حين توفر الفرصة السانحة ، لان تلك الوحدات العسكرية هي العائق دون تحقيق المكاسب السياسية ، والحامية لشعب الجنوب وتاريخه وهويته ، والواقف في وجه المشروع الإستيلائي على اليمن برمته ، بل والأكبر من ذلك خروج الجنوب من المعادلة السياسية بتقسيم اليمن إلى دوائر انتخابية على حسب الكثافة السكانية ، ومعروف سلفا أن المناطق الشمالية هي الأكثر سكانا أضعاف أضعاف المناطق الجنوبية الكبيرة المساحة الغنية بالثروة القليلة السكان ، ولم يؤخذ بعين الاعتبار الثروة والمساحة والتخلي عن العلم والعاصمة والدولة والعملة الذي قدمتها دولة الجنوب ، عندها نجحت القسمة الجديدة وحصول المناطق الشمالية على 245مقعدا في مجلس النواب الذي من خلاله يتم المشاركة في الحكومة واقتسام السلطة ، بينما المناطق الجنوبية لم تحصل إلا على 56 مقعدا فقط من أصل 301 مقعدا ، وهذه النسبة لا تأهلهم بفوزهم بأغلبية تلك المقاعد أن يكونوا شركاء في الحكم والسلطة ، وعندها خرجت القيادة الجنوبية من المعادلة السياسية عمليا ، وان كانت ما تزال ممثلة بالاسم فقط لامتلاكهم بعض الوحدات العسكرية التي كانت تثير عند الحكومة الرعب والخوف ، وفي الطرف المقابل نجد الفريق أذي أصبح الأقوى سياسياً يتحين الفرصة للاستيلاء على الحكم ، والقضاء على الوحدات العسكرية الجنوبية، والاستئثار بالحكم لصالح طرف محدود من أبناء المناطق الشمالية .

بدأ النظام يمارس التصفية بالقتل لقيادة الجنوب المهمة من وجهة نظرهم ، حتى أوغل في القتل لمجموعة كبيرة ، كان الهدف من تلك الاغتيالات تصفية الرموز المؤثرة والمهمة ، وإثارة الرعب في صفوف من سينجو ، وشراء ولاءات البعض الأخر ، والذي ينجو من تلك الاغتيالات سيكون له حساب آخر ، وسوف تندفع قيادة الجنوب للجوء إلى عدن ، بلدهم الأصل ، ليتم الرقص على رؤوس المدافع والدبابات والطائرات ، بحجة أن قيادة الجنوب تريد الانفصال ، وأنهم كفار اشتراكيين وخارجين على الشرعية الدستورية ، تلك الشرعية الكاذبة والمزعومة .

لم يستطع نائب الرئيس ، الذي أصبح نائبا بالاسم والذي لا سلطه له في ظل حكم نظام صنعاء، وهو السبب في وصوله ووصول الجنوب إلى هذه المرحلة المخزية من المنهانة والسخرية ، أن يصبر على ما يلاحظه أمام عينيه ، وبوصول تلك الطلقات إلى اقرب الناس إليه ، عندها أعلن بصراحة أن اليمن دخلت في أزمة سياسية.

انا باعتقادي أن اليمن دخلت في الأزمة السياسة بإصرار البيض على الوحدة الاندماجية التي كان صالح يريد أن يوقع البيض فيها بأسلوب متهور باقتراحه أن تبدأ الوحدة بالفدرالية ، ليجد الطرف الثاني الذي هو البيض نفسه مدفوعاً لقبول الوحدة الاندماجية وبتهور، ولم يعرف انه قد وقع في الفخ القاتل ، وهذا يدل على ضعف حنكة البيض سياسياً والقيادة الجنوبية المتنفذة في ذلك الوقت بإدارة المرحلة .

وبهذا الاشمئزاز من هذه التصرفات ، وتعمد الكثير منها ، تم خلق صورة ذهنية سلبية عند أبناء المناطق الجنوبية ، لم تكن المشكلة في الوحدة إنما المشكلة في الآلية التي تأسست عليها الوحدة ، لم تكن الوحدة الاندماجية هي الحل الأمثل في بداية الوحدة .

لقد كانت الوحدة اليمنية مطلب وخيار استراتيجي لأبناء الجنوب، وقد تمثلت بالممارسات اليومية التي كنا نعيشها ، ونرددها صباحا ومساءا ، وأصبحت شعارا للصغار قبل الكبار ، وهو الدفاع عن الثورة ، وتحقيق الوحدة اليمنية ، لم يصدق علي صالح أن الأمر تحول إلى ما كان يحلم به من زمان ، وهو الاستيلاء على اليمن وبهذه السرعة والبساطة التي لم يتصورها ، فعندما حانت الفرصة الذهبية بالنسبة له بإعلان البيض فك الارتباط ، كان البيض قد حقق له الهدف الذي كان يرسمه ويريد الوصل إليه منذ توليه الحكم في شمال اليمن عام 78م، وكانت العملية قد اكتملت ، واشرف عليها الكثير من أقطاب النظام الذين كانوا متوحدين واخذين العهود والمواثيق للسيطرة على خيرات ومقدرات الجنوب لتكون هي المغنم ، ويصبح الشعب هو المغرم .

جاءت الحرب الإجرامية الهمجية في صيف عام 94 م والتي شارك فيها العديد من القيادات الشمالية ، ممثلة بالقيادة السياسة والعسكرية والقبلية والدينية المعروفة للجميع في توحد لم يشهد له مثيل من اجل المصالح المشتركة ، وأصبح الجميع في غرفة واحدة للعمليات يديرون الحرب ضد إخوانهم أبناء المناطق الجنوبية بحجة الحفاظ على الوحدة والشرعية الدستورية ، والحفاظ على الفرع في ظل وجود الأصل .

لقد استطاعت تلك القيادة المتعددة الأقطاب أن تقوم بعدة ادوار والهدف واحد في مفوضاتهم المزعومة ، تارة بالمفاوضات السياسية يمثلها القائد السياسي ، وبالحرب من خلال القيادات العسكرية ، وبالحشد الشعبي للجماهير وجعلها حرب مقدسة ضد مجموعة من الكفار الاشتراكيين ويمثلها القيادة القبلية والدينية ، واشترك الكل في تلك الحرب الهمجية ، وتم القضاء على الجنوب وتدميره ، وبل وتحويله إلى غنيمة حرب وفيد حتى أصبح مسرحا للنهب والسلب ، ولم تسلم من تلك الأفعال الهمجية حتى بيوت المواطنين الأبرياء ، وبانتهاء الغنائم العينية ، تحولت الجنوب إلى غنيمة يتقاسمها زعماء الحرب ، بل ويتوارثون السلطة والثروة فيها فيما بينهم .

لقد تحول الجنوب بعد الهرب الإجرامية الهمجية إلى ساحة نفوذ لترك الأطراف المشاركة في الحرب ، وأصبحوا هم المتنفذين والمسيطرين على الأرض والثروة والمناصب ، حتى أن الجنوب تحولت إلى أقاليم يديرها شخص واحد من خلال مجموعة بسيطة من الأشخاص أصحاب الولاء الشخصي لذلك الحاكم العسكري ، قليلي العلم والمعرفة .

اختفى قادة الجنوب من ذلك المشهد ، واتجه الجميع للبحث عن المصالحة الخاصة البسيطة ، وأصبح الشعب يصارع مصيره المحتوم بنفسه ، بل وتجرع القهر والذل والمهانة ، ولم نجد صوتا مرفوعا لتلك القيادات في الخارج للتنديد بما يجري لشعب الجنوب ، لا من قريب ولا من بعيد ، لم يكن خيار الشعب إلا تحمل المرارة التي لحقت به ، والنكبة التي حلت عليه، حتى وصل الأمر مبلغه ، والصبر منتهاه ، عندها انطلقت ثورة الغضب ، ثورة استرداد الحرية المسلوبة ، والأرض المنهوبة ، والتاريخ والحضارة ، ثورة الجنوب الحر ، الذي لا يرضى بالعبودية على مختلف تاريخه ومراحله، وان لم يجد القوة والمال ليبذلها في سبيل تحرير كرامة الإنسان الممتهنة ، لكن لديه عزائم الشباب ، وصبر الكبار ، والاستبسال مهما كلف الثمن .

انطلقت ثورة الغضب في باديتها بمطالب حقوقية لاسترداد جزء من الحق المنهوب من لقمة العيش اليومية ، فتوزعت مظاهرات العسكريين في العديد من المحافظات الجنوبية وبشكل متقطع ومن دون أي تنظيم أو تنسيق أو قيادات محددة وإنما كانت في غالبها تعبيرا عن سياسة الرفض والإقصاء التي تمارسها الحكومة ضد أبناء الجنوب وبسبب انتشار الفساد في المؤسسات الحكومية وسوء الأحوال المعيشية في اليمن بشكل عام ، فأصبح الجنوب من أقصاه إلى أقصاه ، من المهرة إلى باب المندب ، شعلة واحدة لا تنطقي إلى أن تستعاد الأرض والحرية .

عندها بدأت تتشكل نواة القيادة الجنوبية لإدارة المرحلة الجديدة والتي تتطلب صلابة القادة ، وان يكونوا في الصفوف الأولى للتضحية من اجل الوطن المسلوب ، ولكنها كانت قيادة بسيطة متفرقة إلا القليل من المخلصين الذي يبذلون أرواحهم قبل أن يبحثوا عن مناصب في أحلام الشهداء الشباب ، ودموع الثكالاء والأطفال ، لا لمصالح شخصية ولكن لجمع الكلمة وتوحيد الصف والوصول إلى الهدف المنشود .

ومع تطور الأوضاع وبروز القضية الجنوبية ، وتزايد تضحيات شباب الجنوب بالنفس والنفيس ، وأصبحت قضية رأي عام ، ظهر القادة الجنوبيين الذي كانوا في القصور بينما الشعب في المحنة والنكبة ، وأصبح الكل يتكلم باسم الجنوب الحر ، وبل وصل الأمر إلى ادعاء الأحقية من بعضهم بان يكون هو المخول الأول للحديث عن القضية الجنوبية .

لم يكن سكان المناطق الشمالية ينظرون إلى الجنوبيين الثوار على أنهم أصحاب حق ، وان لهم حقوق مسلوبة ومن حقهم المطالبة بها ، ولكن الكل تحول إلى محارب ضد تلك الثورة خلال الخمسة الأعوام الماضية من نهاية عام 2006م حتى قبل خمسة أشهر من ظهور ثورة الشباب اليمنية كلل ، وأصبحوا عبارة عن صورة عاكسة لما يقوله ويروجه الإعلام اليمني من الأكاذيب والافتراءات والتشويه بالمواطن الجنوبي بعد أن قضوا على الثروة والأرض ، وان الجنوبيين لم يدخلوا الوحدة إلا بسبب انهيار الاحتداد السوفيتي ، عندها لم يجدوا ما يأكلون فلجئوا إلى الوحدة ، وان صانع الوحدة الحقيقي وباني نهضة اليمن إنما هو علي صالح ، وأما الجنوبيين فعبارة عن قتلة ومجرمين ، ولا ننسى ما كان يحدث بين اليمنيين في الغربة ، ووقوف الشماليين صف واحد ضد ثورة الحرية والكرامة في الجنوب ، ورميها بكل أصناف التهم ، وأصبح البعض يتصيد لزميله في العمل أو جاره ، ليوقعه في حبال الكيد والمكر ، ليرحل خارج أوطان الغربة ، ويعود إلى سجون الظلم والقهر في اليمن السليب .

ولكن إرادة الله فوق كل الإرادات ، وان يرينا عجائب قدرته في الظلمة ، وان يشاهد المظلوم عاقبة الظالم وما يحل به أمام ناظريه ، سقط صانع الوحدة وباني نهضة اليمن السعيد ، وأصبح في عداد السفاكين والقتلة والمجرمين ، بل وفي خانة فرعون وشارون بسبب تلك الجرائم التي استخدمها ضد اليمنيين خلال الثورة الشبابية العارمة في اليمن كلل .

والسؤال الذي يطرح نفسه ، كيف يستفيد الجنوب من هذه المرحلة الفاصلة في تاريخه ؟

وهل وصل قادة الجنوب إلى مستوى عالي من الحنكة والسياسة ليتمكنوا من إدارة المرحلة بالشكل الصحيح ؟ وأن يعيدوا للشعب الجنوبي أرضه وكرامته ؟

والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين .

11‏/06‏/2011

فـقـر الـقـيـادة فـي الـعـالـم الإسـلامـي


جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه الأمة ، ورأى الأفراد والهيئات البشرية كخامات لم يحظ بصانع حاذق ، ينتفع بها في هيكل الحضارة ، وكألواح الخشب لم تسعد بنجار يركب منها سفينة تشق بحر الحياة.

رأى الأمم قطعاناً من الغنم ليس لها راع ، والسياسة كجمل هائج حبله على غاربه ، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه ، ويجرح به أولاده وإخوانه .

في كل ناحية من نواحي هذه الحياة الفاسدة تسترعي اهتمام المصلح وتشغل باله .

ولذا حرص الإسلام من أول يوم على رد النفس البشرية إلى فطرتها ، وفق منهج دقيق متناسق يحفظ للروح والعقل والبدن حقوقهم من غير تفريط ولا إفراط .

فإن الفضيلة كما يقول الإسلام تحيى إذا جاهد الإنسان لبسط سلطانها على الأرض ، وتموت إذا خذلها وتقاعس عن نصرتها .

ولهذا قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عامل مصر ، وقد ضرب ابنه مصرياً ، وافتخر بآبائه قائلا : خذها من ابن الأكرمين ، فاقتص منه عمر ، وقال : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ، فلم يبخل هؤلاء بما عندهم من دين وعلم وتهذيب على أحد ، ولم يراعوا في الحكم والإمارة والفضل نسباً ولوناً ووطناً ، بل كانوا كسحابة انتظمت البلاد وعمت العباد ، وغوادي مزنة أثنى عليها السهل والوعر ، وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها .

وهذا ما امتاز به أصحاب النبي محمد عليه الصلاة والسلام بأنهم كانوا جامعين بين الديانة والأخلاق والقوة والسياسة ، وكانت تتمثل فيهم الإنسانية بجميع نواحيها وشعبها ومحاسنها المتفرقة في قادة العالم ، وكان يمكن لهم بفضل تربيتهم الخلقية والروحية السامية واعتدالهم الغريب الذي قلما اتفق للإنسان ، وجمعهم بين مصالح الروح والبدن ، وعقلهم الواسع أن يسيروا بالأمم الإنسانية إلى غايتها المثلى الروحية والخلقية ولمادية .

في اعتقادي أن الدعوة الإسلامية في هذا الزمن تشكو من فقر في القيادة والتنظيم ، ولا أكون مبالغاً إذا قلت أن عناية الحركة الإسلامية في تهيئة دعاة موجهين وخطباء مرشحين يفوق عنايتها في تكوين قادة منظمين ، حتى هذه النسبة الضئيلة في مجالات التكوين التنظيمي فغالباً ما تسوقها الصدف ، وقلما يأتي بها القصد والتصميم

وحتى المراكز القيادية في حياة الدعوة فقد بات لا يرشح لها إلا أصحاب الكفائأت ( العلمية والشرعية ) دونما القدرات التنظيمية ذات الكفائأت القيادية والإدارية ، فلا يكاد يبرع أخ في الخطابة أو ينال آخر مؤهلاً شرعياً حتى يرى نفسه لها أهلاً ، وهذا ما كان يؤدي في غالب الأحيان إلى إخفاقه في كثير من المهمات ، وبالتالي إلى خسارة الأخ نفسه بسبب ردود الفعل النفسية التي تصيبه منجراء فشله المتلاحق .

فمركز القيادة مركز الدائب والعمل المتواصل والجهاد المستمر .

ولذا كان من أهم موضوعات التنظيم ما يتعلق بالقيادة وخصائصها وصفاتها .

ولمعرفة القائد لامته تماماً يلزم أن يكون ملماً إلماماً جدّياً بشؤونها الفكرية والتوجيهية والتنظيمية ، مواكباً لنشاطها ، مطلعاً على أعمالها وتصرفاتها ، وما يدور في محيطها .

وضمان نجاح القيادة إنما يكون في تلاحمها مع أفرادها وعدم انفصالها عن الموكب المتحرك أو انعزالها في صومعة ، بل أن المسؤولية القيادية لتتطلب من صاحبها الاتصال الدائم بالإفراد والتعرف على آرائهم ومشكلاتهم .

وقيام القائد بملاحظة الأفراد وتعرفه عليهم جيداً ، وإطلاعه على أحوالهم وأوضاعهم الخاصة والعامة ، ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم ، والعمل على حل مشكلاتهم ، كل هذا مما يساعده على ضبطهم وكسب ثقتهم ، وبالتالي على حسن الاستفادة من طاقاتهم .

والأفراد ينظرون دائماً ويتطلعون إلى قادتهم كأمثلة حسنة يقتدون بها ويحذون حذوها ، فسلوك القائد ونشاطه وحيويته وأخلاقه وأقواله وأعماله ذات أثر فعلي على الجماعة بأكملها .

والقوة والإرادة ركن من أركان الشخصية القيادية بها تذلل الصعاب ، وبها تحل المشكلات ، وبها نجتاز العقبات .


إن الإسلام في هذا الزمن بحاجة إلى قيادة يحسنون عرض الأفكار الإسلامية ومبادئه ، ويحببون الإسلام فلا ينفرون منه ، ويوضحون أفكاره فلا يعقدونها ، فكم من أدعياء شوهوا الإسلام بسوء دعوتهم ، وأساؤا إليه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .

وأود أن أشير هنا إلى أن المحن والشدائد يجب أن تبعث في النفوس معاني الإصرار على الحق والثبات دونه ، كما ينبغي أن تدفع إلى مراجعة الأخطاء، وتعبئة القوى على ضوء الاستفادة من التجارب والأحداث

ان درب الدعاة في هذا العصر درب محفوف بالإغواء والإغراء ، لقد هدمت جاهلية القرن العشرين وما تلته في الواحد والعشرين كل معنى من معاني الفضيلة والخير والكرامة ، وأسفرت عن وجه كالح شاحب ترتسم فيه وتتوافر أساليب الغواية والفتنة ، وأزكمت مادية هذا العصر الأنوف حتى أصبح الإنسان لا يفكر إلا بها ، ولا يعيش إلا لها ، ولا يحكم على الأشياء إلا من خلالها ، أعمت بصره وبصيرته ، وأماتت حسه وشعوره .

وقد يكون من أهم ما تجب العناية به ووضع المناهج له ، تحويل المفاهيم والأفكار الإسلامية إلى سلوك وخلق أي إلى نفسية إسلامية ،وهذا ما يفرض إحكام الربط بين العقلية والنفسية أي بين التفكير والتطبيق ، ولقد ندد الإسلام بالانفصال جزئي الشخصية عن بعضها البعض فقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) .

وفي كل الأحوال تحتاج الأمور المهمة إلى إِشراك مستشارين وأشخاص هم على جانب كبير من حصافة الرأي والتفكير ، وعلى القائد المسئول أن يكون لديه الشجاعة الكافية لاستقبال جميع الآراء التي تساعد على نضوج قراره حول المشروع الذي يريد صنعه ، فكيف إذا كان المشروع صناعة الإنسان ، وتطويره ، والارتقاء به إلى أعلى الدرجات .

فالقيادة لا تعني فرض الإرادة على العبيد المجهولين بل تعني الشورى والقيادة معا ، وتنمية تبادل الرأي والإخلاص للعمل .

كل قائد يحيط نفسه بأركان التي تقدم له كل شيء من عيون راصدة ، أيادي حارسة ، آذان ناصته ، شفائف متكلمة ، أدمغة مفكرة ... الخ ، ولكن مهما كانت صفة توظيفهم فهم ليسو سوى أعضاء ذات فعاليات منصبة لمصلحة شخص واحد الذي هو القائد ، وقدرة الله فوق كل كبير متعال .


06‏/06‏/2011

لا تـكن كـذابا مـثـل عـبـده الـجَـنَـدي .


لا تكاد سورة من سور القرآن إلا وفيها ما يمت بصلة لذم الكذب أو الوعيد للكذابين والتنفير من هذا الفعل الأثيم ، وقد بين الله سبحانه أن أهل الكذب تسود وجوههم يوم القيامة كما قال الله تعالى : ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) ، وهو من صفات المنافقين ، كما جاء في الحديث : ( إذا حدث كذب ) ، وقــد حــذر النبـــي صلى الله عليه وسلم مـن الكذب وبيَّن سـوء عاقبتــه فقــال
: ( وإن الكـذب ليهـدي إلـى الفجـور، وإن الفجــور ليهــدي إلــى النــار، وإن الرجـل ليكــذب حتــى يكتــب عنــد الله كذابـاً ).

ان الداعي إلى الكذب في كثير من الأحيان محبة النفع الدنيوي ، وحب الترؤس ، فالكذب عار وذل دائم ، والكذب مبغوض من فاعله رجلا كان أو أمراة ، فكيف لو كان حاكماً، أو وزيراً أو ناطقاً رسمياً باسم الدولة ، الذين يسعون إلى تنميق الوجه الحسن ، وهم ويبطنون عكس ذلك ، ثم يجعلون من ذلك الحاكم أميرا للمؤمنين

الحاكم الكذاب هو الذي يتأمر على وطنه ثم يدعي بالوطني !! والحاكم الكذاب هو الذي يسرق مال الشعب ثم يدعي أنه أمين عليه !! والحاكم الكذاب هو الذي يوالي أعداء دينه ووطنه ، ثم يدعي أنه يعمل لصالح دينه وطنه وشعبه !! وهو الذي يحدث قومه عن الرخاء وهو يضعهم في البلاء .

فكيف بمن حوله من الوزراء والناطقين الإعلاميين والوسائل الإعلامية ، وقد سخرت لخدمته والتسبيح بحمده ليلاً ونهاراً ، بل ويجعلون من الكذب صناعة إعلامية يتفننون بإخراجها حتى يظن العوام من الناس أنهم على الحق المبين

بل ويحولون الكذب من فعل شخصي ، لا يضر إلا فاعله إلى صناعة إعلامية تضر بالبلاد والعباد، وتنشر الفساد في الأرض ، وتحرض على الكراهية والقتل بين أبناء البلد الواحد ، عندها يصير الضرر متعدي إلى عامة الناس ، وينتشر بين الشعب العداوة والبغضاء ، ويصل إلى حد الاقتتال في كثير من الأحيان .

عبده الجَنَدي اسم أصبح متداول على السنة الناس في مختلف محافظات اليمن ، حتى في الدول المجاورة ، ولكن يا ترى بماذا اشتهرت هذه الشخصية إلى حد أن أطفال كانوا يعلبون في احد أودية اليمن المترامية الأطراف تحت أحد الأشجار ، وقد استطاعوا أن يزيحوا من تحت تلك الشجرة التي يلعبون تحتها الشوك والأحجار المختلفة ، ويحولون ذلك المكان الصغير إلى ملعب للكرة ، يتبارى فيه الفتية الصغار ، ولكن لا توجد لديهم كرة قدم في ظل الحكم الرشيد ، وفخامة القائد الرمز ، إلا مجموعة من نفايات الكراتين التي جمعوها من هنا وهناك ، وحولوها إلى كتلة صغيرة تشبه الكرة ، وبسبب حبهم لتلك اللعبة التي يلعب بها الكبار ، فَحَب الصغار أن يجربوها ، وأثناء لعبهم تناثرت تلك الكرة البسيطة المصنوعة من نفايات الكراتين ، فقال احدهم لصاحبه ستجدون ما يسركم ، قالوا وما ذاك ، قال سيرسل لنا الوالد الرمز علي عبد الله كرة قوية لنلعب فيها ، قال له صاحبه وبكل عفوية لا تكن كذابا مثل عبده الجندي !! لقد اشتهر ذلك الرجل بالكذب والتضليل على الناس بأساليبه المختلفة .

لا تكن كذابا مثل عبد الجندي أخي الكريم أينما كنت حتى الصغار أصبحوا يعرفون ذلك النوع من الكذب ، ويميزون بين الصحيح من القول وغيره .

ان الناس يتنافسون على صناعة الأوطان والرفع من شانها ، وعبد الجندي ومن معه يتفننون في الكذب ، حتى أصبحوا من صناع الكذبة الإعلامية التي يقولونها وتبلغ الأفاق في مثل هذا العصر المتطور ، ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من مثل هذا النوع من الكذب ، واخبرنا أن عقاب مثل هذا النوع من الكذب اليم كما جاء في الحديث : (وَأَمَّا الَّذِي رَأَيْتَ يُشَرْشِرُ فَمُهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخَرُهُ إِلَى قَفَاهُ فَذَاكَ رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ , يَكْذِبُ الْكَذِبَةَ، فَيَشِيعُ فِي الآفَاقِ ) هذا جزاء ذلك الكذاب الذي يخرج من بيته فيكذب أمام وسائل الإعلام فتنتشر كذبته في الأفاق ، وهو يعلم انه يكذب

سئل النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيكون المؤمن جبانا فقال نعم ، فقيل له أيكون المؤمن بخيلا فقال نعم ، فقيل له أيكون المؤمن كذابافقال لا ) ،فالكذب بأنواعه صفة ذميمة ويكون أشدها ذماً كذب الإعلاميين لأن هذه الوظيفة يتطلب من القائمين عليها النزاهة والصدق.. فكيف بوسائل الإعلام الرسمية المختلفة في مختلف البلدان العربية التي أصبحت وسائل لتنويم الناس بالكذب وتزوير الحقائق ، والتحريض على الفتنة والقتل .

سيرحل الرئيس ومن معه ، نعم سيرحل ولكن أين سيرحل الكذبة المزورون للحقائق ، المتباكون على الوطن زوراً وبهتاناً في وسائل إعلامنا المختلفة ، هل ستستمر تلك الوجوه الكالحة في أماكنها ، وتستمر الحكاية ؟ وأين سيكون مصير عبد الجندي الكذاب الأشر ؟ أسئلة نطرحها على شباب الثورة لعلنا نجد عندهم الحل .

فإلى متى سيكون الشعب المسكين لعبة بالية يلعب بها القريب والبعيد ، وفي أي وقت يريد .

27‏/05‏/2011

هل سـيـنـطـق الـحـرس الـجـمـهـوري ؟


لقد اقتربت ساعة النصر التي بشرنا بها الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتي يمنحها سبحانه لعباده الصابرين ، وانه يُعطي على الصبر ما لا يُعطي على غيره .

إن هذه الثورة وان طال أمدها فإنها منحة إلهية ، ومدرسة تربوية لجميع إفراد الشعب اليمني السعيد ، من أقصاه إلى أقصاه ، ليستعيدوا مجداً حوله المجرم إلى ركام ، وشعب عظيم صوره الطاغية قطعان من الأغنام .

مدرسة يستنهض فيها الجميع عبق الماضي وأصالة الحاضر ، يتجلى فيها الخلق الرفيع والإيثار مع قلت ذات اليد والحاجة ، والذود بالغالي والنفيس بدون ما رابطة قبلية أو مناطقية تجمعهم وتوحدهم إلا استعادة روح اليمن المسلوبة وكرامته المجروحة ، وهذا ما شاهده العالم خلال الثلاثة الأشهر الماضية .

فيا شباب الثورة اليمنية لقد مارس النظام البائد الظلم والاستبداد ، والجور والطغيان ، والإفساد في الأرض ، وزرع الحيلة ، ونبذ الفضيلة وهتك الأعراض وقذف المحصنات ، ونهب الثروة والأرض ، وصادر الحقوق والحريات ، وهمش الشعب بأكمله وليس الشباب ، وأشعل الحروب ونشر الفوضى والفتن ، وجلب العار لليمن ، فهل آن الاون أن نخلعه .

يجب على الشعب اليمني العظيم ان يهب لخلع الطاغية ، وأن يصمد بكل ما أوتي من قوة حتى يزلزل عرشه المتهاوي، ومن ثم محاكمته وتنفيذ حكم الله فيه .

لقد اقتربت ساعة النصر فلا تترددوا ، ولا تختلفوا ، وكونوا يد واحده وصفن واحد ، إنها اللعنة تتابع السفاح مسيلمة الكذاب حتى ترديه من على حماره الأجرب الهزيل .

لقد سقط ، وسوف تسقطه الدعوات التي ما زالت تلهج بها حناجر اليتامى وأمهات الثكالى وعامة الشعب المقهور .

سيسقط بدعوات النساء اللواتي قُذفن بالعار ، ودُنس شرفهن الطاهر العفيف .

سيسقط بدموع الباكين وهم يتألمون على فقد الأب والأخ والصديق ، بل وانين المصابين وحشرجة أصواتهم ، وتطاير أشلائهم في كل مكان .

لقد آن الأوان أن ينطق حراس الجمهوري في وجه هذا الصنم ويقول له كفاك قتلا كفاك تشريدا ، كفاك تدميرا لبلدنا الجميل .

لا تظن انك حكمت فعدلت ، فنمت فأمنت ، فلن يهنى لك عيش ، ولن يغمض لك جفن ما دام الرجال على أبوابك وهم شاهرين السلاح ليأخذوا الثار منك .

لقد سئم الكل منك ، ومن حكمك ، ومن زبانيتك ، فارحل لعل اليمن يستعيد جزء من نور وجه المشرق الجميل، الذي مُرق في الوحل والعار طيلة حكمك التعيس .

05‏/05‏/2011

مـن يـصـنـع مـجـد الـوطـن وعـز الأمـة

مـن يـصـنـع مـجـد الـوطـن وعـز الأمـة

إن استمرار أسباب تخلف الوضع السياسي والاقتصادي والعلمي في مجتمعنا رسخ لدى الإسلاميين شعورهم المشروع بمسؤوليتهم الربانية الوطنية والإنسانية في ضرورة مواصلة مساعيهم وتطويرها وتقدمها على أسس الإسلام العادلة ، وفي ظل نهجه القويم ، وإقامة الدولة المدنية المتحضرة .

وتأكيدا لهذا الوضع من ناحية، وتكافؤا مع جسامة المهمة ومقتضيات المرحلة من ناحية أخرى، فإنه يتعين على الإسلاميين بمختلف توجهاتهم دخول طور جديد من العمل والتنظيم يسمح لهم بتجميع الطاقات وتوعيتها وتربيتها وتوظيفها في خدمة قضايا شعبنا وأمتنا. ولا بد لهذا العمل أن يكون ضمن حركة مبلورة الأهداف ، مضبوطة الوسائل ذات هياكل واضحة وقيادات ممثلة ، لأن الإسلام يدعو إلى التنظيم وتحديد المسئولية ، ويكره الفوضى والاضطراب في كل شئونه .

ويجب التأكيد على شمولية الإسلام ، وإبراز جانب الدولة في أحكامه وتعاليمه ، وكيفية توجيهها بأحكامه وآدابه ، وإعلان أن ذلك جزء لا يتجزأ من نظام الإسلام الشامل ، الذي امتاز بشموله للزمان والمكان والإنسان ، لان طبيعة الإسلام دين عام ، وشريعة شاملة ، ولا بد أن تتغلغل في كافة نواحي الحياة ، وعندها نستطيع التوفيق بين الرقي الحضاري ، والسمو الأخلاقي ، والمبادئ الخالدة .

إننا لا نريد الإسلام الروحي أو الإسلام الكهنوتي الذي يكتفي بتلاوة القرآن على الأموات ، لا على الأحياء ، أو افتتاح الحفلات بقراءة ما تيسر منه ، ثم ندع قيصر يحكم بما يشاء ، ويفعل ما يريد !

اذا كان الإسلام شيئاً غير السياسة وغير الاجتماع ، وغير الاقتصاد ، وغير الثقافة ، فما هو إذن ؟ أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر ، أو هذه الألفاظ التي تقول رابعة العدوية :استغفار يحتاج إلى استغفار .

إننا نطمح إلى تلك الدولة التي هي ليست دولة دينية أو ثيوقراطية تتحكم في رقاب الناس وضمائرهم باسم الحق الإلهي ، ولكن هناك ركائز تقوم عليها الدولة المدنية الحديثة :

1 – الخلق والإيمان .

أول شرط قام به نبينا محمد صلى لله عليه وسلم ليؤسس المجتمع المثالي والدولة الحديثة الإيمان بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، ومن ثم غرس القيم التي يجب أن يتصف بها ذلك المجتمع المثالي العظيم ، فكان أولها الخلق ، قال عليه الصلاة والسلام : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )، لأنه لا يمكن أن يبنى مجتمع مدني يتطلع لنشر الحضارة إلا بسموا أخلاقه وكريم فضائله ، ومن تلك الأخلاق سيادة العدل ، وتحريم الظلم ، فلا يليق بمجتمع يريد أن يصل إلى التقدم والرقي وهو يمارس الظلم ، ولا يقوم بالعدل ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)، وكان يهدف عليه الصلاة والسلام من خلال وضع تلك الصفات الجاهلية إلى غرس القيم للمجتمع الجديد ، وان تكون من خصائصه وأركانه التي لا ينفك عنها ، وان يبنى مجتمع متماسك يسعى الغني فيه لانتشال الفقير لا لهضمه واضطهاده ، وقتل إنسانيته وعزته وكرامته .

1– العلم والتقنية .

من المعروف أن عمليات التحديث والنمو الاقتصادي والاجتماعي تحتاج إلى أن يأخذ العلم والتقنية دورهما في أي مجتمع يرنو إلى التقدم والازدهار، ولا يمكن أن تقوم نهضة حقيقة في مجتمع ما إلا بالعلم الذي يوصل إلى التقنية الحديثة ، والتنمية الشاملة في جميع مجالات الحياة المختلفة .

فالعلم ضروري لأي حضارة أو نهضة – وقد أدت الحضارة الإسلامية بفتوحاتها العلمية إلى الازدهار الذي بلغته الإنسانية، وأول آية نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام :﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم ، وتدل دلالة على وجوب العلم وضرورته للإنسانية لما فيه من صلاح حال الدنيا والدين معاً .

3 – القوة والاستقلال .

لا يمكن أن تكون أمة ذات حضارة وعز ، وهي أمة ضعيفة (إلى من تكلني) ، قالها الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عائد من الطائف بعد أن رجم وأوذي ، لا هو قادر أن يدخل مكة ، ولا هو يستطيع الرجوع إلى الطائف ، فكان حريص عليه الصلاة والسلام على تأسيس ذلك الوطن الذي يعطيه القوة والمهابة ، ويمنحه العزة والمجد .

ان هذه الدنيا لا يقوم بصناعتها إلا من يقوم بها من جميع جوانبها ، لذلك أهم ركيزة من ركائز الدولة الحديثة امتلاك مصادر القوة ، العلم ، الاقتصاد ، الأخلاق ، اذا فمن يصنع هذا المجد ويعيد العز للأمة ؟ لا يستطيع أن يصنع مجد الوطن ، ويعيده للأمة إلا من توفرت فيه عدة شروط منها : -

1 – أن يكون صاحب رؤية واضحة ، وطموح للمستقبل المشرق ، والذي يستطيع أن يتصور الأمة وهي عزيزة ، وأن يرى رؤية بعيدة ومستقبلية لما يريد أن يصل إليه ، و العمل بعلانية ، كما يجب أن يكون واضح مع نفسه ، ومع غيره ، وان يكون على قدر المسئولية .

2 – التخصص ، فالتخصص هو الذي يعطي التنوع في الحياة ، والتكامل في الأدوار ، ومن ثم يركز كل فرد على تخصصه ، عندها يستطيع الجميع أن يبدع كل في مجاله ، ليساهموا في التنمية والبناء ونهضة الأمة .

3 – الجدية ، فلا يصنع المجد ولا يبني الدولة الشباب المستهتر أو المتسكع في الأسواق والطرقات ، أو البعيد عن واقع الحياة ، إننا نجد عظماء التاريخ وصانعي المجد ، لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بالبذل والعطاء والجد والتعب وسهر ألليال لخدمة وطنهم وأمتهم .

4 – العمل المؤسسي ، لقد انتهى زمن الفرد الذي يصنع المجد ، ويبني الأمة ، بل هو بالعكس السيف المسلط على رقاب الناس ، ومحطم مجد الأمة ، فلا بد أن نبذل الجهود لبناء مؤسسات لا إبراز أفراد ، وإنما بناء الفرد بناءاً مؤسسياً .

لذا يجب علينا أن نركز على فئات معينة التي من خلالها نعيد للوطن عزه وللأمة مجدها وحضارتها :

1 – الشباب ، فهم أمل الأمة وصناع المجد ، فهل كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلا شباب ، لقد اتبعه الشباب ، وتركه الكهول ، فالشباب هم آمل الأمة ومن يملك الحماس للتغيير والبناء ، ومن لديهم الاستعداد للثبات على المبادئ وبذل الروح من اجلها .

2 – النشء والأطفال ، فهم اللبنة الأولى في هذا المشروع العظيم ، فيجب القيام بتنمية النشء والنهوض به ، بدءاً من غرس قيم الحب والفضيلة فيه ، ثم المضي به رويداً رويداً حتى يصير قامة سامقة في بناء مجد الوطن وعز الأمة .

3 – المرأة ، لقد تمتعت المرأة في ظل الإسلام بمكانة مرموقة ، فهي أول من آمن وصدق وضحى بالمال والنفس في سبيل الإسلام ، وقد حظيت باهتمام كبير ، ومكانة عالية ، فقد أبى النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن يسجل للأمة الإسلامية وللعالم عبر الأجيال إلى نهاية الحياة مكانة المرأة التي تحتلّها في رسالته ودعوته إلى الحق والهداية ، ولذا أوصى بها خيراً : ( فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) وهن شقائق الرجال ، ونصف المجتمع, فإذا أهُملت سار النصف الآخر يعرج على قدم وساق ، فكان لها الأثر الكبير في تقدم الأمة وازدهارهاعلى مر التاريخ الإسلامي .

4 – الموهبون ، تقول كل الدراسات أن صانعي نهضة الأمة هم الأذكياء ، فلا بد من إنشاء مراكز ، أو مدارس للموهبين ، وليس للأوائل فقط ، حتى نستطيع أن نخرج قادة المستقبل ، وصناع المجد ، وأن نزرع فيهم بل ونرسخ قيم ومفاهيم هي أساس في بنائهم منها :

1 – الهوية العربية الإسلامية ، ان الشعور بهذا الانتماء هو الدافع لاستعادة مجد الأمة الضائع، لا من يتسكع وراء الغرب في كل ناعق ، نعم نؤخذ من تنظيمهم ومن علمهم ، وإمكانياتهم، ولكن نعتز بهويتنا وحضارتنا .

2 – المنهجية ، فلا تكفي المواعظ والمحاضرات ، لا بد من منهجية واضحة تبني عليها الجيل الصاعد ، والفرد المسلم وذلك من خلال خطوات متسلسلة ومركزة لنستطيع إنتاج ذلك الجيل المتعدد المواهب ، المتكامل الأدوار ، المتسلح بالعلم والمعرفة ، التواق لبناء وطنه وأمته .

3 – التركيز على التعليم والإعلام ، يعد التعليم والإعلام من أهم الوسائل في القديم والحديث في صناعة المجتمعات ، ونحاول أن نتذكر ان 60 في المائة من ميزانية تونس قبل الثورة كانت تصرف على التعليم ، ولذا كانت الشرارة الأولى في التغيير في عصرنا هذا من هناك .

وثانيا الإعلام ، فمن خلال دراسة أجريت على أهم الأشياء التي تزرع القيم سواء أكانت ايجابية أم سلبية ، الإعلام ، البيت ، المدرسة – الأصحاب ، المسجد ، اكُتشف أن الإعلام الدرجة الأولى لزراعة القيم والتأثير في الناس، فلا بد من التعليم من جهة ، والإعلام من جهة ثانية .

وأخيراً ، لا بد من تجديد الفكر الإسلامي على ضوء أصول الإسلام الثابتة ، ومقتضيات الحياة المتطورة ، وتنقيته من رواسب عصور الانحطاط وآثار التغريب ، وأن تكون لنا قيادة تعرف ماذا تريد ، وكيف تحرك الشعوب باتجاه هذا الهدف ، وأن تستعيد الجماهير حقها المشروع في تقرير مصيرها بعيدا عن كل وصاية داخلية أو هيمنة خارجية.

فدولة الإسلام لا تقوم على الوراثة التي تحصر الحكم في أسرة واحدة ، أو فرع من أسرة ، يتوارثه الأبناء عن الآباء ، والأحفاد عن الأجداد ، كما يتوارثون العقارات والموال ، وإن كانوا أضل الناس عقولا ، وأفسدهم أخلاق .

** بعض العبارات مختارة من كتابات بعض الكتاب بتصرف .

28‏/04‏/2011

الدولة الإسلامية (مدنية ) لا دينية ولا علمانية .

الكاتب : طارق الكلدي .


لقد عانت الشعوب الغربية أشد المعاناة من الدولة القيصرية التي حكمتهم وتحكمت فيهم بِكَهنتِها خلال العصور الوسطى باسم الدين المقدس ، فزعمت لرأس الدولة بأنه ابن السماء المعصوم بل زعمت ذلك لجميع عمال أجهزتها وادعت بأن قولهم الفصل يمثلون بسلوكهم في الأرض إرادة الرب في السماء !!

وكانت تقوم هذه الدولة الدينية المقدسة! (حسب زعمهم) بحروب طاحنة ضد كل من لم يدين بدينها من الشعوب التي تحكمها بل حتى ضد من لم يلتزم مذهبها الخاص بها داخل الدين الواحد!!

واستطاعت الشعوب الأوروبية طبعاً بعد جهد طويل أن يجعلوها علمانية تعيد الكهنة إلى داخل الكنيسة وتفصل الدين عن الدولة وتمنع الكنيسة من تجاوزها لحدود صلاحياتها ، وعادت الكنيسة إلى حالتها الطبيعية إذ هي رسالة روحية بحتة لا علاقة لها بالسياسة مطلقاً ، وهذا ما صرح به إنجيلها قائلاً : ( دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله )

إن الدولة الدينية الكهنوتية التي تحّكمت في الغرب فيما مضى باسم الدين المقدس هي السبب الوحيد في اختيار الشعب الأوروبي للبديل العلماني ، وهذان الخياران السياسيان كلاهما لا مكان لهما في المجتمع المسلم الذي تقوم دولته الإسلامية على العلاقة المرنة المتزنة بين الدين والدولة وذلك لأن نصوص رسالته في هذا الشأن نصوص غايات ومقاصد تتغير في النظام والآليات بحسب تطور الزمان والمكان والشعوب ، وهذا ما يجعلها صالحة لكل عصر ومصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

وأمّا رأس الدولة الإسلامية وعمال جميع أجهزتها فهم بشر يصيبون ويخطئون تختارهم الشعوب وتراقبهم وتشترط عليهم ، ومن حقها أن تعزلهم إذا وجد فيهم ما يمنع بقاءهم ويتعارض مع مهامهم ويوجب العزل ، والنصوص الشرعية في هذا الشأن كثيرة غير خافية بل أكدها بالقول الخليفة الأول في الدولة الإسلامية في أول خطبة له بعد مبايعته بالخلافة حيث قال : لقد وليت عليكم ولست بأفضلكم ... فإن أخطأت فقوموني ) ومثل هذا التأكيد صح عن بقية الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم .

وإذا كانت الدولة الدينية في الغرب النصراني قد أكرهت شعوبها على التدين بدينها بقوة الحديد والنار فإن الدولة الإسلامية قد منحت طوال حكمها المخالفين لها في الدين حرية البقاء على دينهم إن هم أرادوا ذلك سواء كانوا أهل كتاب سماوي محرف ، أو أهل دين وضعي أرضي كالمجوس ونحوهم ما داموا في إطار حكم الدولة الإسلامية من الناحية السياسة ، وقد عاشوا مواطنين في الدولة الإسلامية بكل حرية لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم حسب ما يقره الإسلام .

ولهذا نقول بأن الدولة الدينية هي الدولة التي جميع أركانها دين مقدس وهذه الدولة ليس لها وجود في المنهج الإسلامي بل أن اجتثاثها والإتيان عليها من أساسها جزء لا يتجزأ من مهام رسالة الإسلام الخاتمة.

وإن كانت العلمانية في الغرب النصراني طبيعية لكون رسالتهم روحية لا هم لها سوى تزكية النفس فقط فإنها -العلمانية -تتعارض مع ثقافة الشرق الإسلامي الذي نطقت نصوص رسالته السماوية المتواترة بما ينافي ذلك ويضاده إذ هي رسالة شاملة لكل نواحي الحياة بدون استثناء وهذا قضية محسومة ومعلومة من الدين بالضرورة ، ولا يسعنا كمسلمين مناقشتها أبداً إلا إذا جوّزنا لأنفسنا مناقشة الإسلام ذاته.

فالدولة الإسلامية هي الدولة التي تعترف بالإسلام عقيدة وشريعة وتمارس ذلك عملياً فان هي تنكرت للإسلام عند الممارسة والتطبيق وإن اعترفت به من ناحية نظرية كما هو حاصل في دول العالم الإسلامي هذه الأزمان فلا تكون إسلامية أبداً ويعد اعترافها بالإسلام مجرد إدعاء فقط .

وإذا كان وصف الإسلام لا يُرفَع عن الدولة الإسلامية حتى في ضل حكم الدكتاتور الظالم فانه يتوجب علينا أن نقيدها -الدولة الإسلامية -بالمدنية- وهذا مقتضى جهاد الظالمين إذ الدولة المدنية هي دولة العدالة والنظام والقانون وليس لها خلفية أيدلوجية معينة وهذا القيد ( المدنية ) مهم جداً نحتاج له في التخلص من الدكتاتور المسلم كما احتاج له الغرب ليتخلصوا به من الدكتاتور اللاديني ( العلماني ) .

14‏/04‏/2011

الـسـلـفـيـة الـمـوجـهـة والـتـغـيـيـر

السلفية الموجهة والتغيير

لقد أصبح التغيير من ضرورات هذه المرحلة التي نعيشها ، بسبب تأزم الأمور ، وتردي الأوضاع ، وانحدار البلاد إلى المجهول ، واتجاه البلد لكارثة مدمرة ، وهنا يقف الفكر السلفي الموجه حجر عثراء في طريق ذلك التغيير المنشود ، بل ويقف في صف الدكتاتور الظالم المتسلط على رقاب المسلمين الذي يسعى الشعب لإزالته وتغييره ، بسبب ظلمه وفساده ، وابتعاده عن المنهج الحق ، والطريق المستقيم . بل هو من يناصره ويتشبث به ، ويختلق الكثير من الحجج الباطلة لبقائه ، ويعتقد ذلك الفكر أن ما يقوم به من صميم الدين ، وأي دين يجيز لهم صناعة الدكتاتور والعيش في ظله !

ان السلفية الموجهة ليست هي الإسلام ، وليست هي الدين بذاته ، وليست هي الفهم الأوحد للإسلام ، أو المخولة بالتحدث باسمه ، ومن يفرضها على أنها المنهج الصحيح للمسلمين كمن يفرض نفسه هذه الأيام حاكما ، من غير إرادة شعبه .

لقد شكا الإمام ابن القيم رحمه الله من جمود فقهاء زمنه ، وحمّل ابن القيم الفقهاء الجامدين تبعة انحراف الأمراء والحكام ، وشرودهم عن منهج الشريعة السمحة .

وما زال لهؤلاء الجامدين من أهل الفقه أخلاف في عصرنا هذا، يعيشون في القرن الخامس عشر الهجري ، ولكنهم يفكرون بعقول علماء ماتوا من قرون ، وقد تغير كل شيء تقريباً في الحياة عما كان عليه الحال في عهود أولئك العلماء .

رأينا هؤلاء يخرجون على إجماع الأمة الثابت طوال تاريخها حيث آمنت بأن الإسلام عقيدة وشريعة ، ودين ودولة ، وعبادة وقيادة ، وصلاة وجهاد ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول رئيس لدولة الإسلام .

باعتقادي ان المشكلة التي دفعتهم إلى هذا السلوك ، والوقوف ضد من يطالب بالحقوق المشروعة التي كفلها الإسلام ، وبالطرق السلمية التي كفلتها قوانين الحكام الذين يناصرونهم ، هو عدم امتلاكهم تصور حقيقي لخصائص الحكم الرشيد الذي تُبنى عليه الدولة المدنية المسلمة .

منذ أن انتهت الخلافة الراشدة بمقتل الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، انتهى مشروع الحكم الإٍسلامي العادل ، الذي يقوم على أساس تبادل السلطة ، وتساوي أفراد الدولة جميعاً ، فلا فرق بين ابيض على اسود إلا بالتقوى ، وتحول مشروع الحكم إلى مشروع فردي ، في ظل نظام ملكي يقوم على الحكم الفرد وتوريث السلطة ، وترسيخ التبعية والولاء المطلق ، وتجريم المخالف ، فانتهى النظام الشوروي القائم على الاختيار الاكفئ والأجدر للقيام بمهمة هي في النهاية مغرم وليس بمغنم ، بل وأمانة يحاسب من يتهاون بها أو يخونها ، وهو في النهاية وكيل عن الأمة ، بل أجير عندها ، فلها عليه ولاية الموكِّل على الوكيل ، والمستأجر على الأجير .

لقد استطاع ذلك الحكم ، وبقربه من العهد النبوي أن يقمع كل من يخالفه ، بطمس معالم الحكم الإسلامي الرشيد ، واستبعاد التصور الحقيقي للحكم ومواصفات الحاكم ، والتركيز على طاعته وعدم الخروج عليه ، بوضع الأحاديث ودسها في ذيول الأحاديث الصحيحة حتى يبدوا للمستمع من أول وهلة أنها من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم يجب الأخذ بها لتحقيق طاعة النبي صلى الله عليه وسلم والاستنان بسنته .

ثم إن طبيعة الإسلام باعتباره منهجاً يريد أن يسود ويقود ويُوجِّه الحياة ، ويحكم المجتمع ، ويضبط سير البشر وفق أوامر الله ، لا يُظن به أن يكتفي بالخطابة والتذكير والموعظة الحسنة كما هو ديدن الكثير من المشايخ في هذا الزمان ، ولا أن يدع أحكامه ووصاياه وتعليماته في شتَّى المجالات إلى ضمائر الأفراد وحدها ، فإذا سقمت هذه الضمائر أو ماتت سقمت معها وماتت تلك الأحكام .

لذا لا سبيل إلى إصلاح ذلك الحاكم الظالم الجائر إلا بالتغيير ، لا كما يدعي بعض المشايخ الفضلاء ، الذين لا يعرفون من السياسة إلا اسمها إبقائه ومن ثم إصلاحه ، فإن قوماً فقدوا الإسلام في أنفسهم وشؤونهم الخاصة والعامة لأعجز من أن يفيضوه على غيرهم ، ويتقدموا بدعوة سواهم إليه ، وفاقد الشيء لا يعطيه .

لقد أثبتت التجارب عجزهم المطلق عن تطبيقه ، والأخذ به ، وجعله منهجاً لحكمهم وسياستهم ، بل هم العكس من ذلك يفرون منه إلى ما سواه ، ويأتي دور الشباب ، أصحاب لعقول النيرة ، والقلوب التواقة إلى الإصلاح والتغيير ، البعيدين كل البعد عن أحقاد الماضي ومشكلاته ، فيجب تنويرهم بجلال الإسلام وروعة القرآن ، وبالدولة المدنية ، والحكم الذي يشترك فيه الجميع حتى نصل جميعاً إلى ما نصبوا إليه ونؤمله .

ان ذلك الحاكم الذي ننشده ينظر إلى الإسلام بعين ، وإلى العصر بعين ، ويجمع بين القديم النافع والجديد الصالح ، ويوازن بين الثوابت والمتغيرات ، ويدعو إلى احترام العقل ، وتجديد الفكر ، والاجتهاد في الدين ، والابتكار في الدنيا ، ويقتبس من أنظمة العصر أفضل ما فيها .

لقد خرج الفكر السلفي الموجه من سياسة الحكم ، وأصبح يعيش تبع للحاكم الظالم الدكتاتور ، ويدور معه حيثما وجد ، بل ويكون الواجهة لتلك الأنظمة الفاشية لإضفاء الشرعية عليها ، وتثبيتها في كثير من البلدان العربية والإسلامية ، وابتعد عن تطبيق الإسلام في واقع الحياة ، والعيش معه في عالم الأحلام .

وعلى بعد تلك المدة من زمن الخلافة الراشدة ، إلا أن المسلمين ما زالوا يراوحون مكانهم ، ولذا يخسر العالم الكثير بسبب هذا الفكر القاصر الذي يدعي الأحقية بل والحصر لمفهوم الإسلام ، وان كل ما سواه باطل من كل الوجوه . حتى وصل بنا الأمر إلى هذا الانحطاط المخزي ؟

أن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بقوة في الوقت الحاضر هو ماذا يستفيد العالم ويجنيه من الفوائد بتقدم المسلمين ؟ وماذا يخسر بتخلفهم في الفكر والسياسة والاقتصاد وفي القوة وغيرها ؟

ان الخضوع والاستكانة للأحوال القاصرة ، والأوضاع القاهرة ، والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام ، أما المؤمن القوي فهو بنفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد .

ما أحوج المسلمين اليوم إلى من يرد عليهم إيمانهم بأنفسهم وثقتهم بماضيهم ، ورجاءهم في مستقبلهم ، لا من يمرق وجوههم في التراب بسبب تلك المقالات القاصرة ، وما أحوجهم لمن يرد عليهم إيمانهم بهذا الدين الذي يحملون اسمه ، ويجهلون كهنه ، وبالوراثة أكثر مما يتخذونه بالمعرفة .

الكثير من يتصور السلفية بأنها ليست حزباً ، ولكنها منهج دين وحياة ، وإنها تنظيم الدنيا بالدين ، ولكن الواقع خلاف ذلك ، فلم نرى التنظيم والترتيب للدين في واقع الحياة ، مما نسمعه من الآراء والنظريات ، وإنما هي عبارة عن شعارات يتغنى بها الكثير ، عن حسن نية وبغير قصد ، لا تلامس واقع الحياة ، بل تزيده تعقيداً ولا تقدم حلولا واقعية لكثير من المشكلات .

إذاً هناك انفصام بين النظرية والتطبيق في الفكر السلفي الموجه، بل يحاول أن يقصي جميع من حوله ليدور في فلك الوحدانية المطلقة في عصر التعدد والتنوع ، والرأي والرأي الآخر .

ان الإنسانية تشقى بتحول الحكم والسلطان والرفاهية والنعيم من فرد إلى آخر من جنسه ، ومن جماعة إلى جماعة أخرى مثلها في الجور والاستبداد ، وحكم الإنسان للإنسان ، وتأتي سنة الله القاهرة التي لا تقف في طريقها أقوى الترسانات والاحتياطات والإمكانات ، سنة التغيير ، يقول تعالى : (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ، فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) بل إن كثراً من هؤلاء الحكام والسلاطين تحولوا إلى ويل وبلاء ودمار لذلك النوع الإنساني ، فلا بد من منع الفساد والمرض في جسم المجتمع البشري ، الذي يسري منه السم في أعصابه وعروقه ، ويتعدى المرض إلى الجسم السليم ، فكان لا بد من عملية جراحية ، فكان قطع هذا الجسم السقيم وإبعاده من الجسم السليم مظهراً كبيراً لربوبية رب العالمين ورحمته ، ويستوجب الحمد والامتنان من جميع أعضاء الأسرة الإنسانية ، بل من جميع أفراد الكون : (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

ولأسف كان انسحاب العلماء والمصلحون من ميدان الحياة ، واتجاههم إلى الخلوات ، فراراً بدينهم من الفتن كما يدعون ، أو رغبة إلى الدعة والهدوء ، وفراراً من تكاليف الحياة وجدها ، أو إخفاقاً في كفاح الدين والسياسة والروح والمادة ، ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا ، وعاونهم على إثمهم وعدوانهم ، واكل أموال الناس بالباطل ، فأصبح الدين فريسة العابثين والمتلاعبين ، ولعبة المحرفين والمنافقين ، حتى فقدت روحها وشكلها .

وأصبحت مهود الحضارة والثقافة والحكم والسياسة ، مسرح الفوضى والانحلال والاختلال ، وسوء النظام ، وعسف الحكام ، ولا تحمل للعالم رسالة ولا للأمم دعوة ، وأفلست في معنوياتها ، ونضب معين حياتها ، لا تملك مشروعاً صافياً للحكم من الدين السماوي ، وألا نظاماً ثابتاً من الحكم البشري .

بعض الكلمات منتقاة من كتابات بعض العلماء بتصرف .

04‏/04‏/2011

القضية الجنوبية بين الوحدة المعمدة بالدم وثورة الشباب



الوحدة المعمدة بالدم كلمات طالما سمعناها من الرئيس علي صالح وهو يتفاخر بأنها إحدى منجزاته التي حققها في ظل حكومة الوحدة الرشيد وقيادته العبقرية من وجهة نظره .
لم يتساءل أصحابه ومَن حوله وهو يصفقون له بقوة ، لماذا عمد القائد الرمز ذلك الإنجاز بالدم ، أهان سفك دم الشريك ، بينما دم الأخ والقريب أصبح من السبع الموبقات في هذه الأيام ، أما الإعلام الرسمي فقد جعلها (الوحدة المعمدة بالدم ) شعاراً لواجهات برامجه في كثير من المناسبات الرسمية ، وعلى وسائله المختلفة ، ولا ننسى علم الوحدة وهو يرفع من على تراب عدن الحرة ، والجميع حوله يحفونه بالابتسامات الجميلة ، وبأمل المستقبل المشرق ، إلا أن تلك الابتسامات غُيبت عندما طمسها الإعلام الرسمي بعد الحرب الهمجية في صيف 94م ، عندما استبيحت البلاد ، وانتهكت فيها الحقوق وسلبت فيها الحريات .
لقد حرص الإعلام الرسمي بكل وسائله على تزوير وتشويه الحقائق ، ولم يكتفي بذلك بل عمد على مسخ وتضليل المجتمع بأسره ، وأصبح أسيراً لذلك الفكر النازي ، الذي لا يعكس بأي حال من الأحوال صوت الناس من حوله ، كما يفعل هذه الأيام مع شباب الثورة في جميع محافظات اليمن .
لقد كرس الإعلام الرسمي بكل وسائله صورة ذلك القائد الرمز وهو يرفع العلم الوحدوي ، وقد غيب الشركاء من حوله ، حتى تناسى الكثير من الناس أن الوحدة هي اتفاق بين شطرين أصبحت بموجب ذلك الاتفاق دولة واحدة ، لا من صنع شخص واحد ، إلا أن يكون عن طريق الإكراه أو القوة . لقد اخُتزلت الوحدة بشخص الرئيس القائد ، كما اختزلت كثير من الدول العربية مثل ليبيا بصورة القائد الفاتح ، ولا اعتقد انه خداع للنظر بل حقيقة بكل المقاييس .
فهل شباب الثورة عندما ينتصرون على القائد الرمز يتركون صورته ترفرف عالياً على العلم الوحدوي ؟ أم أنهم يجعلون ذلك العلم يسلك الاتجاه الصحيح في طريق تحقيق الوحدة الحقيقية التي كان يحلم بها كل أبناء اليمن ؟ هل سيتم إسقاط صورة القائد الرمز كما اَسقَط هو شُركائه أثناء حكمه ؟
وصدق من قال : من حفر حفرة لأخيه وقع فيها ، وبنفس ألكاس الذي سقيت فيه غيرك ، ستُسقى منه ، والجزاء من جنس العمل .
ويأتي المشهد الفاصل الذي صوره القرآن في قوله تعالى : ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) عندها يتساءل الكثير ، هل سيظل علم الوحدة يرفرف بدون صانعيه ؟ هل ستظل الوحدة المعمدة بالدم المنتهية الصلاحية سارية المفعول بعد رحيل موئسها الأوحد كما يحلو للبعض تسميته ؟ أم أنها ستنتهي بانتهاء صاحبها ؟
ويأتي الدور على شباب الثورة ويصبحون أمام الواقع ، والامتحان الحقيقي ، فهل سيعيدون صياغة الوحدة من جديد ؟ أم سيمارسون نفس أسلوب القائد الرمز ، في الإقصاء وعدم الاعتراف بان القضية الجنوبية قضية سياسية وليست حقوقية كما يعتقد الكثير ، أم يستمر العلم الوحدوي يرفرف بشخصيات جديدة ، ونتمنى أن لا يعمدوه بالدم كذلك .
ان القضية الجنوبية لا يلغيها شعار أبنائها وهم يرددون شعار الشعب يريد إسقاط النظام ، لان هذا الشعار كان مرفوعا منذ زمن طويل ، وقد قدم الجنوبيون العشرات من الشهداء ، والآلف الجرحى من أجل الوصول إلى هذه اللحظة التاريخية ، ولم يكن الشهر أو الشهرين هو عمر النضال السلمي للثورة ، وإذا اعتقد شباب الثورة أن القضية الجنوبية قد سقطت بترديد ذلك الشعار ، عندها نصبح كما قال المثل الشعبي ديمة قلبنا بابها .
ان شباب الثورة في المحافظات الشمالية إن لم يتداركوا خطورة الموقف بخصوص القضية الجنوبية ، والاعتراف بأنها قضية سياسة عادلة ، وقضية اليمن المحورية ، وأهم قضية على الخارطة السياسية في اليمن بعد الثورة ، لا أقول أنهم سيقعون بشباك الماضي الأسود ، بل أخشى عليهم من تلك الشباك .
وكما قال الدكتور عيدروس النقيب في أحد مقالاته ، ان القضية الجنوبية هي قضية دولة دُمرت وأرض نُهبت ، وحقوق صُودرت ، ومشاركة وطنية وئدت ، وتاريخ يزور ، وهوية تمسخ ، ودماء تسفك ، وأرواح تزهق .
القضية الجنوبية هي قضية حية لأنها قضية تاريخ وحقوق ، وهوية وانتماء وإرادة ، وهي على كل حال جزء جوهري من القضية اليمنية الكبرى ومدخل لها .
، ولا يخشى مناصروها تهمة الانفصال التي دائما تقترن بكل من يتحدث عن القضية الجنوبية ، والتي ظلت السلطة ومخابراتها ، وأجهزة إعلامها ترددها ضد الناشطين السياسيين السلميين من أنصار القضية الجنوبية .
ويقول أحد الكتاب في مطلع حديثه عن القضية الجنوبية ، ان الاعتقاد الخاطئ بأن القضية الجنوبية هي نتاج طبيعية لحرب 1994م ، لا يساعد على حلها بإزالة آثار 94م ، هذه الحرب التي تعد بحد ذاتها نتيجة لفشل الوحدة ، أو سياسة السيطرة على الوحدة من قبل القائد الرمز .
ان الظروف التي أحاطت بسرعة إعلان قيام الوحدة دون سابق إعداد وتحضير مكتمل لها ، وما رافق مرجعيتها السياسية والقانونية من أخطاء وتشوهات ونوقض كبيرة ، وما أعقبها من سياسات خاطئة أوصلت الوحدة إلى طريق مسدود ، وإلى ما نحن عليه اليوم ، من الظلم والقهر والاضطهاد .
جاء حرب 94م لاستبعاد الجنوب ليس من شراكة الدولة فحسب بل جرى استبعاده من شراكة السلطة ليخرج الجنوب بالكامل من المعادلة السياسية ، وظهور إفرازاته في الوحدة المعمدة بالدم وعودة الفرع إلى الأصل وغيرها من الأقاويل .
ان حرب 94م لم تكن تستهدف الحزب الاشتراكي وإقصائه من السلطة وإخراجه من مسرح الحياة السياسية فحسب ، بل استهدفت الجنوب الأرض والثروة ، وتهميش وتجهيل وإقصاء الإنسان .
ان قيام دولة الوحدة الحديثة تمثل هدفا رئيساً لجميع القوى السياسية والفئات الاجتماعية حاملة المشروع النهضوي الحديث ، فهل وصل أبناء اليمن إلى الوعي الحقيقي لبناء دولة الشراكة والمواطنة المتساوية ، لا دولة الزعيم القائد الرمز ؟
وتبقى القضية الجنوبية رمزا للنضال السلمي في العامل العربي اجمع .

24‏/03‏/2011

نـــداء إلى شـبـاب الـثـورة الـيـمـنـيـة في المحافظات الـجـنـوبية .


في البداية أحب أن أذكر شباب الثورة في المناطق الجنوبية بقوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) ، لان التنازع يؤدي إلى الاختلاف والاختلاف يؤدي إلى الفشل والفرقة ، عندها يخسر الجميع ، فلا تتنازعوا أيه الشباب ، فعليكم بالاجتماع فهو مصدر العزة والقوة ونيل الحقوق والمطالب ، ولذا أحب أن أوجه إليكم بعض النصائح من قلب محب ومخلص :

1 –يجب على الشباب حالاً أن يقوموا بتكوين قيادات شبابية في جميع المحافظات واخص بالذكر محافظة عدن لأهميتها وموقعها الحيوي ، ولما يراد لها من مخططات مختلفة ، من نهب وسلب ، وإثارة للفوضى والاقتتال ، والتصفيات وتشويه روح التصالح والتسامح ، وغيرها من الأمور ، لذا يجب على الشباب أن يكونوا في موقع المسئولية ، وأن يتحلى الجميع بالحكمة والشجاعة والصبر ، وأن لا يختلفوا ، بل يكونوا يد واحدة في هذه اللحظات ، وان كان لديهم أفكار مختلفة ، وأن يتعلّموا من اللقاء المشترك ، كيف يجتمع الفرقاء على أهداف محددة .

2 – أن يوحدوا المطالب التي ينادون بها ، ويكتبوها ويعمموها على جميع قيادات الشباب في المحافظات الجنوبية ، ليتم الاتفاق عليها ، ومن ثم تتكون هيئة عليا للمطالبة بالحقوق الجنوبية يقودها الشباب .

3 – ان نقلّب مصلحة اليمن على مصالحنا الخاصة ، وأن نكون على مستوى عالٍ من المصداقية والنزاهة والخلق ، حتى نكون قدوة لغيرنا ، ونعكس حضارة وأصالة ما نعبر عنه ، ونطالب من اجل تحقيقه .

4 – أن لا ينزلق الشباب إلى العنف والفوضى مهما كان الثمن ، حتى لا يعطوا الفرصه لغيرهم ، للنيل من مطالبهم المشروعة التي ينادون بها منذ فترة طويلة ، وتكون تحركاتهم سلمية ، معمدة بالحب والحوار ، لا بالدم كما يراد لذلك ، وانه لا سبيل إلى نيل المطالب والحقوق إلا بالطرق السلمية .

5 – التواصل مع الشباب في جميع محافظات اليمن حتى تكون هناك لحمة واحدة لإسقاط النظام ، ومن ثم نعرف أنه لا خلاص لليمن إلا في ضل حكم تشترك فيه جميع الأفكار والأحزاب والتيارات في ظل الدولة الواحدة .

6 – الإخلاص والصدق في القول والعمل ، وأن تكونوا أرقى من غيركم في التعامل والحوار ، وفي نصرة المظلوم ، وأن لا تتعدوا على أشخاص أو ممتلكات بغير حق ، و يكون القضاء الحر النزيه في ظل الدولة المدنية هو الفاصل والحكم في كل المنازعات الخاصة .

7 – يجب على الشباب أن يطالبوا بدولة مدنية عادلة ، تساوي بين رعيتها ، وتأخذ للضعيف من القوي ، وتحرس للناس أخلاقهم كما تحرس لهم بيوتهم وأموالهم ، وتحفظ عليهم دماءهم وأعراضهم ، وأن ترد لهم ما سلب منهم في الماضي ، حتى تتحق الوحدة بحقيقتها ، فتكون حكومة خيارهم حكامهم ، وأزهدهم في لعيش أملكهم لأسبابه وأقدرهم عليه ، من هذه الحكومة التي تسابق أهلها في أكل أموال الناس بالباطل ، وهتك الأعراض ، وسفك الدماء .

8 - الصبر ثم الصبر والثبات على المواقف حتى تحقيق الأهداف والتطلعات ، في ظل البلد الواحد .

9 – عدم الإساءة إلى احد ، بل نتعلم الحوار والديمقراطية وحرية الرأي والرأي الآخر ، وأن الرأي قد يحتمل الخطأ والصواب في تقديرات البشر مهما كان ذلك الرأي .

10 – أخيراً : أوصي إخواني وزملائي الشباب أن يعبروا عن تطلعات الجميع ، وأن لا يختزلوا ثورتهم في مصالح ضيقة شخصية ، بل يكونوا صوت للجميع .

هذه بعض النصائح التي أردت أن أوصلها إليكم ، لأنني اشعر بالمسئولية حيال هذه الأحداث التي تعصف ببلدي السعيد ، واسأل الله أن يجنب بلادنا كل الفتن ، وأن يعيدها سعيدة موحدة يفتخر بها العالم اجمع .

16‏/03‏/2011

استغلال المعراضين للثورة بعض الاحاديث الضعيفة .

ألا بعداً لمبارك ، وبعداً لزين العابدين ، وبعداً للمتشدقين المحرفين لشريعة رب العالمين .
يعتقد الكثير من العلماء وأدعياء السلفية المعاصرة ، وغيرهم من المنتسبين إلى السلف زوراً وبهتاناً ، أن حكام الدول العربية المعاصرين هم الخلفاء المهديين ، وأئمة المسلمين ، وأنه يجب على أفراد تلك المجتمعات الرضا بما يلحق بهم من قبل ولي أمرهم ، ولو كان اشد أنواع الظلم ، وعدم المطالبة بحقوقهم ، ويعدون من ينادي بالحقوق المشروعة للأفراد والمجتمعات التي كفلتها الشريعة الإسلامية ، والأنظمة الوضعية ، خارجاً عن جماعة المسلمين ، ، ويثير الفوضى والفساد في ربوع البلاد ، ويستدلون ببعض الأحاديث التي تؤيد أسيادهم ، ويتناسون اقلب الآيات والأحاديث التي تحث المسلم أن يكون أنموذجاً فذاً شجاعاً ، يتسامى إلى أعلى المراتب ، ولذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمن القوي وقال فيه : ( المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف )، وان تقويم الحاكم والأخذ بيده لمن أعظم الجهاد في سبيل الله كما قال صلى الله عليه وسلم : (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) ولقد ترك لنا السلف أروع الأساليب في المعاملة ، ولذا كان السلف الصالح يتمثلون تلك الأخلاق العالية تجاه المطالبين بحقوقهم ، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان بينه وبين رجل كلام في شيء ، فقال له الرجل : اتق الله يا أمير المؤمنين ، فقال له رجل من القوم : أتقول لأمير المؤمنين اتق الله، فقال له عمر - رضوان الله عليه - : دعه فليقلها لي ، نعم ما قال ، ثم قال عمر : لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم .
وتمثلها كذلك برفع الظلم عن المظلوم عندما جاءه ذلك القبطي ( النصراني ) يشتكي والي مصر عمرو بن العاص ، فأرسل إلى عمرو بن العاص إلى مصر وجاءه إلى المدينة ، وتخيل تلك المسافة التي قطعها حتى يصل إلى المدينة ، فقال للقبطي اضرب ابن الأكرمين ، وقال لعمرو بن العاص المقولة المشهورة : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ) لم يقل رضي الله عنه لذلك النصراني اصبر واحتسب وان اخذ مالك وضرب ظهرك .
ان الكثير من علماء السلطان ، الذين جعلوا مصالحهم الضيقة مقابل الحقيقة البينة ، يستدلون ببعض الزيادات الضعيفة لبعض الأحاديث الصحيحة ، فيخلطون الحق بالباطل ، ويقولون أنها جاءت في صحيح مسلم ونحوه ، ومنها الزيادة التي جاءت في حديث حذيفة المتفق على صحته ، فقد جاء الحديث في البخاري بهذا النص : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيُّ ، أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ، يَقُولُ : كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ، قَالَ : نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ، قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ، قُلْتُ : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا ، فَقَالَ : هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ، قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ، قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ ؟ قَالَ : فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) (1) .
وجاء في صحيح مسلم ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنِى بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىَّ يَقُولُ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِى فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِى جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ « نَعَمْ » فَقُلْتُ هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ « نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ». قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ « قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِى وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِى تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ». فَقُلْتُ هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ « نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ « نَعَمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ قَالَ « تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ». فَقُلْتُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ قَالَ « فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ » (2) .
وجاء في حديث ثاني في صحيح مسلم بزيادة ضعيفة كما في الحديث التالي : وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ التَّمِيمِىُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ أَخْبَرَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلاَّمٍ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ سَلاَّمٍ عَنْ أَبِى سَلاَّمٍ قَالَ قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ نَعَمْ. قُلْتُ هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ قَالَ « نَعَمْ ». قُلْتُ فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ « نَعَمْ ». قُلْتُ كَيْفَ قَالَ « يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَاىَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِى وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ ». قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ « تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ »(3).
« تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ».
النَّصُّ الذي يستـــشهد به هؤلاء زيادة ضعيفة منكرة على متن حديث صحيح مشهور متفق على صحته رواه الشيخان عن حذيفة رضي الله عنه كما تقدم ، ثــــمَّ إنَّ مسلماً رحمه الله رواه مرة ثانية بعد سوقه النَّصَّ الصحيح بهذه الزيادة ، عن أبي سلاَّم قال : قال حــذيفة ... وفيـــه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ... تسمع وتطيع للأمير ، وإن ضُرب ظهرك ، وأُخذ مالك فاسمع وأطع " قال النووي رحمه الله : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَذَا عِنْدِي مُرْسَل ؛ لِأَنَّ أَبَا سَلَّامٍ لَمْ يَسْمَع حُذَيْفَة ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، لَكِنَّ الْمَتْن صَحِيح مُتَّصِل بِالطَّرِيقِ الْأَوَّل ، وَإِنَّمَا أَتَى مُسْلِم بِهَذَا مُتَتَابِعَة كَمَا تَرَى ؛ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول وَغَيْرهَا أَنَّ الْحَدِيث الْمُرْسَل إِذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيق آخَر مُتَّصِلًا تَبَيَّنَّا بِهِ صِحَّة الْمُرْسَل ، وَجَازَ الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَيَصِير فِي الْمَسْأَلَة حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ. أهـ . وليس الأمر كما قال رحمه الله فقد فاتته دقيقة من دقائق علم الحديث نبَّه إليها المحققون من علماء الحديث ، وكثيراً ما كان الشيخ الألباني رحمه الله ينبه إليها، وهي أنَّ الطريق الذي فيه ضعف يسير (كالإرسال مثلاً) إذا روي من طريق آخر صحيح تبينا صحة المرسل شرط ألا تكون فيه زيادة تضيف حكماً .. نعم أصل الحديث ثابت لكن هذه الزيادة لا تصح لأنها جاءت بسند منقطع (4) .
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب : أرسل عن حذيفة وأبي ذر وغيرهما (5) .
وقال الحافظ العلائي في جامع التحصيل: ممطور أبو سلام الحبشي عن حذيفة وأبي مالك الأشعري وذلك في صحيح مسلم ، وقال الدارقطني : لم يسمع منهما (6) .
قال ذلك في سياق ذكر الرواة المحكوم على روايتهم بالإرسال عن ذلك الشيخ المعين أما على الإطلاق أو في حديث مخصوص حسبما أمكن الوصول إليه ، إلى آخر كلامه رحمه الله .
ويقول الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله ، وهذا وفي حديث حذيفة زيادة ليست في حديث حذيفة المتفق عليه وهي قوله : ( وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك ) فهذه الزيادة ضعيفة لأنها من هذه الطريق المنقطعة (7)
وهذا الطريق أتى به مسلم رحمه الله متابعة كما قال النووي رحمه الله ، لكنه أتى به ليبين علته فقد صرح في أول صحيحه أنه سيذكر بعض الأحاديث ليبين علتها ، وهذا منها ، إذ يبعد أن يغيب عن مسلم رحمه الله أن أبا سلام لم يسمع حذيفة رضي الله عنه ، وقد روى الحديث أيضاً أبو داود وأحمد عن سبيع بن خالد وهو كما ذكر ابن حجر رحمه الله مقبول ، يعني عندما يتابع ، ولا متابع له في هذه الزيادة .
أما أنَّ هذه الزيادة منكرة فلأنها تخالف الشريعة التي جاءت لرفع الظلم عن الناس ، ولتبعث حياة العزة والرفعة في الخلق .
الشريعة التي تُعلِّـــق فساد الأمم على وجود الظلم ، وتضع المظلوم الراضي بالظلم في مرتبة الظالم الممارس له ، قال الله تعالى : (وإذ يتحاجون في النار ، فيقول الضعفاء للذين استكبروا : إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار ؟ قال الذين استكبروا : إنا كل فيها ، إن الله قد حكم بين العباد) . هذه الشريعة سمت المستضعفين الذين لا يتحركون ضد الظلم ظالمين ، ولم تــقبل أعذارهم ، فقال الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ، قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا، فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) ، هل يعقل أن تقول الشريعة هذا ، ورسولها يقول : ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه ، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ) . والنصوص في هذا كثيرة ، فالشريعة في نصوصها ومقاصدها تحث على رفض الظلم ، وتأبى أن يسكت الناس عن الظالمين . فهل يعقل أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلم أن يتسامح في أكل ماله ، وجلد ظهره ؟! هذا من عجائب المسلمين الذين سوغوا السكوت عن الظلم ، وحولوه إلى صياغة شرعية .
أين هذا من كلام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما للناس عندما بويعا للخلافة ، حيث يأمران الناس بأن يقوموهما بالسيف إذا رأوا منهم اعوجاجا ... هل يعقل يكون منهج الصحابة نزع يد الطاعة على من أجل ذراع قماش ، أعني هذا الذي قال لعمر رضي الله عنه : لا سمع ولا طاعة من أجل ثوب كما في القصة المعروفة ، ولم يقل له أحد من الصحابة : ويحك أمن اجل ثوب ؟! بل عليك أن تسمع وتطيع .. ولم يقل له عمر رضي الله عنه : بل تسمع وتطيع رغمــاً عنك .
ان كتمان الحقيقة وتزويرها ، وتشويه الحق وقمعه ، ونشر الظلم وتقنينه ، والاستعانة بأصحاب العمائم المختلفة لإصباغه بالشرعية، الذين يرهبون الناس ويخوفونهم مما قد يقدموا عليه من مطالبتهم بحقوقهم ، ويمارسون الإرهاب الفكري ضد أولائك، حتى ترى الكثير منهم بقصد وبغير قصد يصورون أن الإقدام على المطالبة بالحقوق ، وعدم الرضا بالظلم من الخروج عن الشريعة ، الذي يعقب صاحبها العذاب الأليم في الدنيا والآخرة ،وان هذه من منطلقات الخوارج التي تريد نشر الفوضى والخروج على الحاكم .
ألا بعداً لمبارك ، وبعداً لزين العابدين ، وبعداً للمتشدقين المحرفين لشريعة رب العالمين .

1 - صحيح البخاري – حسب ترقيم فتح الباري – ج4/ص242 – رقم 3606 .
2 - صحيح مسلم ج6 / ص20 – رقم 4890 .
3 - صحيح مسلم ج6 / ص20 – رقم 4891 .
4 - المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي - دار إحياء التراث العربي – بيروت - الطبعة الثانية ، 1392هـ -عدد الأجزاء : 18 – ج6/ص321 .
5 - تهذيب التهذيب – ابن حجر العسقلاني – ج10 / ص263 .
6 - جامع التحصيل في أحكام المراسيل - أبو سعيد بن خليل بن كيكلدي أبو سعيد العلائي - تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي عالم الكتب – بيروت - الطبعة الثانية 1407 – 1986 – ص286 .
7 - الالتزامات والتتبع – للدارقطني – دراسة وتحقيق الشيخ / مقبل بن هادي الوادعي – دار الكتب العلمية ، بيروت – لبنان – الطبعة الثانية ، 1405هـ - 1985م - ص181 – 182 .