Social Icons

23‏/02‏/2012

وطــنــي لا بــواكــي لــه


ارضي يا أيتها الغالية ، هويتي التي أتفاخر بها ، ترابي الذي أعيش فيه ،

عاش عليها أبائي وأجدادي ، بل وبذلوا كل ما يستطيعون من اجل البقاء عليها ، والدفاع عن ترابها .

شيدوا حضارة يشهد لها التاريخ ، وسطروا أمجادا يفخر بها الأبناء .

ليس شعبي فقط من يدافع عن أرضه اذا اقتصبت ، بل كل شعب اضطهد او سلبت منه حريته وكرامته ، أو احتل فانه يدافع عن نفسه وعرضه بكل الوسائل المتاحة ، بل ويصبح هذا الدفاع حق مشروع تقره الأديان السماوية والأعراف والقوانين الدولية ، حتى الحيوانات لا ترضى بالذل والقهر وسلب الإرادة والحرية .

كم بكينا وتحمسنا وسهرنا أليال الطوال من اجل ان تتحرر كثير من الأوطان العربية ، وما زلت أتذكر تلك الأيام وكلي حماس وحرقة وتطلع لفجر يولد في ارضي العربية .

أيام ربيع الثورة التونسية ولحظات هروب بن علي في منتصف الليل والفرح الشديد لذلك الانتصار العظيم لشعب تونس بأكمله وللأمة العربية ، بسقوط احد الدكتاتوريات .

أتذكر يوميات الثورة المصرية وتطلعنا لإزاحة فرعون مصر ، لما يخدم ذلك النصر المسلمين وقضيتهم العادلة في فلسطين .

أما يوميات الثورة الليبية فكم تمنيت أن أكون ليبيا لافتخر بشجاعة أهلها ، وصمودهم الأسطوري في وجه آلة القمع والقهر العاتية ، لقد تمنيت أن أكون في مصراته الشموخ والنصر لندافع عن أهلنا المسلمين في تلك البلاد ، ولحزنك بكينا يا مصراته ، ولخوفك يا بن غازي تخوفنا ، ولفرحتك يا طرابلس بالنصر والتحرير سعدنا ، وكم وكم وكم ....

لا نمن على أهلنا وإخواننا في ربوع الأرض العربية فنحن كالجسد الواحد ان اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، فانتصارهم شرف لنا وفخر لثورتنا الجنوبية لأنها أول ثورة في مسيرة ثورات الربيع العربي .

ولكن !!!

هل نجد من يشاطرنا حزننا ولو مجاملة في جنوبنا الحر ؟ هل سيبحثون عن حقيقة قضيتنا العادلة ، ويعرفون أن أرضنا محتلة ؟ أم لا يتكلفون عناء البحث عن تلك الحقيقة ، ويستمعون لأعلام المحتل وأعوانه العلوج الحمر فقط ليستخلصوا الحقيقة .

أم أن بلادي لا بواكي لها ؟!!!

أصدقكم القول في هذه الأيام التاريخية في تاريخ الجنوب الحر أن الشعور الذي سيطر على ربوع دولة الجنوب العربي الحر اليوم من المهرة إلى باب المندب إلى جميع جزرنا الغالية لأول مرة في تاريخ ثورتنا الجنوبية ، وانه الشعور بالنصر حقيقة .

ان شعب الجنوب من أنجز هذا النصر على صعيد قضيته العادلة وأرسلوا للعالم رسالة بان شعب الجنوب صاحب حق مشروع ولن يتراجع عنها .

لقد علت السعادة والابتسامة على وجوه جميع شعبنا الجنوبي في الداخل والخارج، وان هذه هي أول بشائر النصر ، وأن القادم إلا صمود واستبسال وحسن إدارة وتنظيم وقيادة للمرحلة القادمة ، وبإذن الله منصورين ، وسيعود جنوبنا الحبيب الغالي ، واسأل الله ان يعود علينا النصر أيام وأيام ، وثروة ثورة حتى النصر .

ونقول لإخواننا العرب لو خذلتمونا فان الله ناصر المظلومين ، وما عمر الباطل تحول إلى حق مهما طالت أيامه ، وان فجر الحرية يبزغ في لحظة تاريخية بإرادة الله عز وجل ثم بجهود شعبنا العظيم .

وعاش أبطال الجنوب الأحرار ، والرحمة لشهدائنا الأبرار ، والشفاء للجرحى والحرية لشعب الجنوب .

16‏/02‏/2012

الــمـتـخـاذلــون والـمـثـبــطـون وأصــحــاب الــمــصـالــح الـضــيـقـة


ما من شعب يقاوم ، أو ثورة تنطلق إلا وتجد أمامها المتخاذلون والمثبطون للعزائم والهمم ، الذين يزرعون اليأس في قلوب الثوار على وجه الخصوص ، والشعب عامة على وجه العموم .

ولا يمكن لأي ثورة أن تحقق النجاح والنصر إلا بالتضحية والبذل والفداء بالغالي والنفيس من اجل الخلاص من قيود المستعمر الغاشم (العلوج الحمر)، الذي دمر وافسد وعاث في الأرض فسادا ، مع استمراره في أطماعه وتوسيع نفوذه .

ولكن تلك النفوذ والأطماع في كثير من الأحيان يُكلف بتنفيذها ضعاف النفوس والمتخاذلون وأصحاب المصالح الضيقة سواء أكانوا من سكان الأرض المحتلة ، أو من الغزاة الطامعون في النهب والسلب والفيد .

وهنا يجب على عامة الشعب الجنوبي أن يتنبه لهذا الداء الخبيث ، والسرطان القاتل بنبذهم وفضح مخططاتهم المكشوفة ، وان لا مكان لهم بين صفوف الثوار ، وان أمكان الثوار هي مشاعل الحرية والاستقلال ، ولبنات المستقبل المشرق .

ان الأعمال التي يقوم بها المتخاذلون والمثبطون وأصحاب المصالح الضيقة لن يثنـي ثوارنا عن مواصلة كفاحهم المستميت ، ونضالهم الشريف المشروع للدفاع عن الأرض والعرض وطرد المستعمر الجاهل الغاشم ، وان شعب الجنوب العظيم سيتجاوز هذه العقبات التي يصادفها خلال مسيرته في طريق النصر والشهادة .

يا شباب الجنوب العظيم ، نقول لكم استمروا في كفاحكم وثورتكم ، وأن من يزرع في نفسكم الوهن والتشكيك لن يفلح ، وسوف يكون مصيره الخسران والندم ، وان شعب الجنوب قد وصل إلى درجة عالية من الوعي السياسي ، ولا يثنيكم وسوساتهم المتكررة بان دمائكم ستذهب هدراً ، وان لا فائدة من تحرير الأرض إذا فقد الإنسان نفسه ، نقول لكم إن هذه هي أساليب الشيطان ، وان من يزرع العبودية في نفس شعبه فانه قد انسلخ من كل القيم والأخلاق ، وان الثورة لن تنجح إلا بدماء ثوارنا الأبطال البواسل، فكونوا على الموعد ، والهمم عالية ، ولا تخيفكم خفافيش الظلام ، وخفافيش الدمار والعلوج الحمر فإنها أمام هاماتكم الشامخة كالاغزام ، ولا نامت أعين الجبناء ، والرحمة والخلود لشهدائنا الأبطال ، والله اكبر ، وعاشت الجنوب حرة أبية .

حــريــة شــعــب وزعـيــم

لا يمتلك شعب بأكمله أغلى من الوطن الذي يتواجدون عليه، ولا يمتلك فرد لحاله منفرداً أغلى من نفسه ، فكيف إذا جاد بتلك النفس في سبيل تحرير وطنه .

ان تحرر الفرد أو المجتمع من العبودية يسبقه تحرر النفس من الداخل ، وإيمانها الجازم بالانفكاك من تلك القيود ، وان الله خلقها حرة كريمة ، وان نيل الحرية واستعادة الوطن هو المطلب والغاية الحقيقية التي يسعى من اجلها الجميع ، عند ذلك تحلق تلك النفوس والأرواح في عالم التضحية والبذل والفداء ، لا يهما خطر الخطوب المدلهمة ، ولا وعورة الطريق التي تسير عليها ، حتى لو كان ثمن الوصول للهدف والغاية بذل النفس رخيصة في سبيل أن يعيش شعب بأكمله بحرية وسعادة.

ان الحرية هي التحرر من القيود التي تكبل طاقات الشعب وإنتاجه وحريته ، سواء أكانت قيود مادية أو معنوية ، أو قيود استعمارية ، هدفها طمس الهوية ونهب الثروة واستعباد الإنسان ، فالحرية تشمل التخلص من العبودية نتيجة ظروف متعددة من حالات قمع واضطهاد وظلم متواصل ، لشخص أو لجماعة أو لشعب ، والتخلص من الإجبار والإكراه .

إن أكثرنا يتبرَّم من الظروف التي تحيط به ، وقد يضاعف ما فيها من نقص وحرمان ونكد ، فيجب علينا الاستمرار في النضال واقتحام الخطوب ، والمضي في طريق الحرية ، فالمتاعب والآلام هي التربية التي تنبت فيها بذور الرجولة والتطلع للمستقبل الواعد ، لصنع النجاح الحقيقي .

فجيب علينا الصبر والثبات ورفع الهمم ، مهما كانت الظروف والمعوقات ، غير أنَّ حبس النفس على ما نكره إذا عنينا به دوام الشعور بمرارة الواقع ، وطول الإحساس بما فيه من سوء وأذى ، قد ينتهي بالإنسان إلى حالٍ منكرة من الكآبة والتبلّد، وربما انهزم الإنسان أمام المقارنات التي تعقدها النفس بين ما نابها ، وما كانت تشتهي وتحب أن تكون .

ليس أهم شيء في الحياة أن تستثمر مكاسبك ، ولكنَّ الشيء المهم حقاً في الحياة هو أن تحيل خسائرك إلى مكاسب .

إن من خلف قضبان السجن تطلَّع إلى الأفق اثنان من المسجونين ، فاتجه أحدهما ببصره إلى وَحْل الطريق ، أما الآخر فتطلَّع إلى نجوم السماء ، كما هو حال الزعيم المناضل حسن با عوم .

وما تفتَّقت مواهب العظماء إلا وسط ركام من المشقَّات والجهود .

لقد قبلوا الواقع المفروض ، ثم تركوا العنان لمواهبهم لتحوّل المحن إلى منح ، وتحوّل ما فيه من كدر وطين إلى ورود ورياحين ، وتلك هي دعائم العظماء الذي حملوا المسؤوليات على أكتافهم ، ولم يطرحوها وراء ظهورهم .

الزعامة صناعة ام فن ، أم حب الجماهير ؟

الأيام القادمة تحمل السر والجواب في آن واحد !!.

24‏/01‏/2012

بــركــة ثــورة ربـيـع الجـنـوب الـعـربـي .


انطلقت ثورة ربيع الجنوب العربي في 2007م لتهب نسائمها على الشعب الجنوبي ، وتمتد بركتها إلى جميع أرجاء الوطن العربي ، لتكون هي الدفى والقبس للطامحين بالحرية ونيل الاستقلال في آن واحد .

كما قال شاعر ثورة ربيع الجنوب العربي :

نحن الذي أهدى العرب هذا الربيع .

كنا القبس والدفى والعالم صقيع .

في الوقت نفسه كان المراقبون يصفون الشعوب العربية بالميتة لعدم مطالبتها بالحقوق المشروعة ، فما بال المطالبة بإسقاط أنظمة ، أو القيام بثورات للتخلص من الدكتاتوريات المستبدة التي حكمت البلاد والعباد لعقود كثيرة .

لم تكن مطالبة شعب الجنوب العربي بنيل الحرية والاستقلال والسيادة الكاملة على أرضه خروجاً عن العروبة ، أو الكفر بالإسلام ، وانتحال دين آخر ، كما يحلو لبعض الحاقدين أن يصوروه ، وإنما استمدت ثورة ربيع الجنوب العربي مشروعيتها في التحرر من الإسلام الحنيف الذي جاء ليحرر المسلم من العبودية ، ويرفع من قيمته وقدره ، ويحافظ على حقوقه وممتلكاته ، ومن اجل هذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قولته المشهورة :

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً .

لقد تعلمنا من التاريخ والتجربة أن ثورة الأحرار تكفلها الشعوب الثائرة ، فما دام شعب الجنوب العربي هو الثائر فانه صاحب الإرادة الحقيقية التي تعبر عن مطلبه الواضح والوحيد ، عندها تكون كل الخيارات تخضع لرأي هذا الشعب لا سواه ، حتى قادته يستمدون قوتهم ومواقفهم من مواقف الشعب نفسه .

ان من أجمل ثمرات ربيع ثورة الجنوب العربي التي حملها خلال ثورته المستمرة حتى نيل الاستقلال والتحرر الكامل الغير منقوص ، ونيل السيادة الكاملة وبناء دولة العدل والحق ، والتي يسودها النظام والقانون ، مبدأ التصالح والتسامح ، ولم الشمل ، ونسيان الماضي والتركيز على المستقبل الذي فيه الأمل والنور والخير والصلاح لجميع أفراد الشعب في سبيل الهدف المنشود والمطلب الواحد ، وهذا المبدأ قلما وجدناه في ربيع الثورات العربية .

ان الجنوب العربي هو قلب الشرق الأوسط ، أو قلب العالم بأسره لموقعه الحيوي الهام ، وتميزه بخيراته وشعبه .

وسيظل كذلك مهما تغيرت الأحوال والظروف ، وتأمر المتآمرون الحاقدون ، وإنها لثورة حتى النصر ، وعاش الشعب الجنوبي الحر الأبي .

15‏/11‏/2011

السلفيون والديمقراطية الخلاف الحاد والرؤية الواحدة .

الكاتب / طارق الكلدي

إذا تجاوزنا الحركات الإسلامية التي تطرح برامج سياسية متطرفة وتريد أن تفرض الشريعة بالقوة حيث وأن هذه الحركات قد أصبحت مرفوضة عند الإسلاميين عامة والسلفيين منهم على وجه التحديد ومثلها الجماعات الإسلامية مجهولة الهوية ! ممن لا رؤية لهم سوى التعبير عن مواقفهم الرافضة لكل البرامج المطروحة ، فإذا تجاوزنا هؤلاء فإننا نجد أنفسنا أمام الغالبية العظمى من الإسلاميين بمن فيهم رموز التيار السلفي كل هؤلاء يتفقون على جواز جعل السلطة بيد الشعب وعلى جواز المشاركة السياسية في ضل وجود حكومات غير إسلامية وترك وسائل العنف في الفلسفة التغييرية واستبدالها بالوسائل السلمية حسب ما هو موجود في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة من الانتخابات والاستفتاء العام وترجيح حكم الأغلبية والتعددية السياسية ، وحق الأقلية في المعارضة ، وحرية الإعلام ، واستقلال القضاء وغيرها من الآليات التي تدار من خلالها الخلافات والصراعات بين الرؤى المتباينة ، ويؤكد هذا التيار على شرعية تلك الأمور إذا انضبطت بالضوابط الشرعية ، وأنت لو نظرت إلى العالم الديمقراطي كله لرأيته يكيف الديمقراطية بما يتوافق مع دينه وثقافته فالصليب على علم بريطانيا والسويد واليونان وهو شعار يؤكد مسيحية تلك الدول ولو رجعت إلى الدستور الأسباني في المادة السابعة لوجدته ينص على وجوب أن يكون رئيس تلك الدولة من رعايا الكنيسة الكاثوليكية ومثله القانون الإنجليزي ينص في مادته الثالثة من قانون التسوية على أن كل شخص يتولى الملك يجب أن يكون من رعايا كنيسة إنجلترا ولا يسمح بتاتاً لغير المسيحيين ولا لغير البروتستانيين بأن يكونوا أعضاء في المجلس اللوردات كذلك الدستور الدنمركي ينص الدستور في المادة الأولى على أن يكون الملك من أتباع الكنيسة الإنجليزية اللوثرية وأن الكنيسة الإنجليزية اللوثرية هي الكنيسة الأم المعترف بها في الدنمارك وينص الدستور السويدي في المادة الرابعة على وجوب أن يكون الملك من أتباع المذهب الإنجليزي الخالص كما ينص على نفس هذا الشرط بالنسبة لأعضاء المجلس الوطني فهذه أمور لا تتعارض مع ديمقراطية تلك الدول ولا يوجد ما يمنعنا نحن من تكييف نظم وآليات الديمقراطية وأن نضع الشروط التي تناسبنا كمسلمين ،وبهذا يُحصر اعتراض السلفيين على الديمقراطية في زاوية ضيقة سنناقشها بعد التنبيه على أمرين مهمين نضعهما في الاعتبار ونحن نقرأ هذا الموضوع :


الأول : إن الدول العربية تمر بمرحلة انتقالية خطيرة ومعقدة أشد التعقيد وقد تستمر هكذا عشرات السنين فإن لم نتكاتف جميعاً للحفاظ على كل مكوناتها ونلتزم المصداقية في العمل المشترك ، والتسوية السياسية المنضبطة فإن الوطن العربي سينجر نحو المزيد من التفكك والانهيار .

ثانياً : إن جميع الإشكاليات التي يتوقعها السلفيون من نتائج الديمقراطية إن هم قبلوا بها لا يمكن أن تحصل مطلقاً بل هي أشبه ما تكون بالفرضيات الخرافية ودليل الواقع يثبت عكس هذه التوقعات تماماً .

لقد ذكرت آنفاً أن التيار السلفي العام لا اعتراض عنده على الديمقراطية كآلة ومضمون والآن نناقش اعتراضه عليها كمفرد أو مصطلح له أبعاده العقدية – كما يقولون- إذ الديمقراطية تعني حكم الشعب الذي يقابله في الإسلام حكم الله وهو كفرُ بإجماع المسلمين وهذا لا خلاف عليه إذا كانت المعادلة بهذا الشكل ولكن لا يسلَّم لهم بذلك فحكم الشعب في الفكرة الديمقراطية لا يقابل بحكم الله بل يقابل بحكم الفرد ( الديكتاتورية ) وبمعنى آخر : من هو أداة التنفيذ للحكم والتشريع الفرد أم الشعب ؟

أما بماذا يحكم ويشرع فهذه مسألة أخرى تعود إلى الخلفية الأيدلوجية لهذا الشعب أو ذاك والمطلوب دائماً المعاملة بحذر مع المفردات التي قد تُحدث تشويشاً بسبب تعدد ما يقابلها وهذا شأن الكثير من المتشابهات والمتقابلات وإن كان الأولى بنا استعمال المصطلحات المحكمة حتى يزول اللبس وينتهي السجال ولكننا أمام ثقافة واقع موجود نتعامل معه كما هو ولا بد .

وفي اعتقادي أن مقابلة حكم الشعب ( الديمقراطية ) بحكم الله في نظر هذا التيار وغيرهم ممن يوافقونهم الرأي في ذلك له سببان اثنان .

السبب الأول : إنهم تناولوا مفردة الديمقراطية وخلطوها بأفكار أخرى مثل الليبرالية والعلمانية وغيرها من المفاهيم التي تحتوي على أيدلوجيات معينة وهذا غير صحيح إذ النظام الديمقراطي لا يوجد فيه ما يمنع من تطبيق الشريعة إذا كان ذلك بموافقة الأغلبية الشعبية وإنما الممنوع هو أن يفرض ذلك على الناس قسراً بقوة الحديد والنار وهذا ما يأباه السلفيون أنفسهم فأسلمة الشعب عندهم مقدمة على تطبيق الشريعة ، لأن الإسلام لم ينزل ليحكم شعوباً منافقة ، بل الحكم عبادة والعبادة لا تقبل إلا بالاستسلام المطلق قال الله تعالى : ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله )، وقوله : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدون في انفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) .

السبب الثاني : لكونهم خلطوا بين ( حكم الله ) و ( الحكم بما أنزل الله ) وهذا الخلط من الأسباب التي أوقعتهم في تلك المعادلة وقد سبقهم إلى مثل هذا الخوارج حينما كفروا الإمام علي بن أبي طالب وقالوا : أحكمت الرجال والله يقول ( إن الحكم إلا لله ) ، فحكم الله : هو النصوص الشرعية المعصومة وهي موجودة بالقوة ومفروضة علينا من حيث هي ، بخلاف الحكم بما أنزل الله : فهو الواقع البشري لترجمة حكم الله وهو معرض للقصور والخطأ وقد يواجه بالرفض في أوقات كثيرة فهو نتاج إنساني لا يوجد إلا إذا توفرت أسبابه وتهيأت ظروفه ورُحب به على أرض الواقع ، والفكرة الديمقراطية لم تتعرض لحكم الله بشيء أبداً لم تفرضه كما أنها لم تلغه كذلك لأنها مجرد آلة ونظام فقط وأما الحكم بما أنزل الله فقد أزالت – الديمقراطية من أمامه عقبات كثيرة وربما تكون هي أخصر الطرق لوجوده

*كل ما في الديمقراطية أنها رفضت العنف واستبدلته بوسائل التغيير السلمية وجعلت هذا بمثابة عهود ومواثيق يوقع عليها جميع الفرقاء سياسياً ولا يوجد في الشريعة ما يمنعنا من الالتزام بذلك ما دمنا نؤمن بأن الجهاد وسيلة لا غاية وفي نفس الوقت نرى الانتخابات جائزة وهل من المعقول أن نرفض نحن – السلفيين - ترك القتال الذي اتفق كل المتخاصمين سياسياً على تركه في وقت كل وسائل الثروة والثورة بيد خصومنا ونرفض وحدنا استبداله بالوسائل السلمية – الانتخابات – التي تحسمها أصوات الشعب والتي لا يحصدها يوم الفرز إلا نحن !!

هنا قد يعترض البعض : وهل يجوز لنا أن نوقع على ذلك ونلتزم للخصم أن نسلم له إذا كانت النتيجة لصالحه ؟

ولهذا السائل نقول : ما الفرق بين أن نقر مبدأ العنف ونوقع مع الخصم على أنه إن غلبنا بحد سيفه سلمنا له إن هو تركنا على قيد الحياة وبين التزامنا بالتسليم له إن غلبنا بقوة الكم ؟ ففي الحالين نحن ضعيف ! والقضية تعود إلى مدى اقتناعنا بترك القوة القتالية واستبدالها بالقوة الكمية فقط .

وفي حال سلمنا له فإننا سنتحول إلى خانة المعارضة وهي تعني تمام رفضنا لمشروعه ونستمر في مشروعنا إلى الحصول على نصاب يسمح لنا بتغيير دستور إسلامي كامل وفي حال وصولنا إلى الحكم بنصاب لا يسمح لنا بذلك فإننا سنحكم بالموجود ونكون معذورين بضعفنا حالنا كحال النجاشي رضي الله عنه ، وسنصلح في حدود الصلاحيات المتاحة لنا في الدستور الموجود و( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) .

بقي سؤال هو الأهم في هذا الموضع : وماذا لو طالبت الأقلية بتنحية الشريعة في حال وصول التيار الإسلامي إلى الحكم بنصاب يسمح له بتغيير الدستور ألا تمنحهم الديمقراطية هذا الحق ؟

لا يوجد في الديمقراطية حرية مطلقة ، فالحريات مربوطة دائماً بالدستور فإذا كان قرار الأمة عبر دستورها ينص على عدم جواز قيام أحزاب علمانية وغيرها ، فلا يمكن أن يصادر أحدٌ قرار الأمة ويكون بذلك قيام هكذا أحزاب محظوراً وفق الدستور بل حتى في الغرب الذي يعطي مجالاً واسعاً للحرية يوجد هناك حضرٌ على المطالبة ببعض التشريعات كالمطالبة بتأسيس حزب شيوعي في أمريكا وكالمطالبة بعودة الحزب النازي في ألمانيا ... وهذا المنع منصوص عليه في الدستور ( بقرار شعب ) وليس مفروضاً عليهم بالقسر والقوة .

ولنفترض أن المعادلة كانت علينا وصار قرار الأمة عبر دستورها ينص على عدم قيام أحزاب على أساس إسلامي وهذا معناه أن الأمة في مجموعها قد اتخذت موقفاً عدائياً من الإسلام نفسه ، وهل يتصور هذا في خير أمة أخرجت للناس ؟!

ومن باب المساجلة الجدلية نقول : إن الحركات الإسلامية لديها كامل الاستعداد والمرونة للتكيف مع المستجدات مهما كانت مطمئنة إلى شرعية مشروعهم وقدرته على التوسع والانسياب بشكل مذهل وسنعمل جاهدين بصورة فردية إن كانت تشريعات الدستور العلماني تسمح بذلك أو بأي طريقاً آخر لتكوين قاعدة شعبية مقتنعة بالحل الإسلامي نحدث من خلالها ثورة سلمية ، ولن نتخلى عن الميثاق الذي وقعنا عليه مع خصومنا من الالتزام بالخيارات السلمية مهما كانت النتائج ، ونرى الوفاء بذلك واجباً شرعياً لا مجرد واجب سياسي كما هو شأن الأحزاب الدنيوية الصرفة .

وأخيراً : ألا تتفقون معي – معاشر السلفيين – على أن مواقعكم في حال مشاركتكم في اللعبة الديمقراطية مُنسجمة مع الأصول الإسلامية وأن مواقفكم الشرعية من الآخر لا تتغير بمجرد المشاركة بل هي هي وربما تكون أشد من مواقف المحرمين للديمقراطية وإنما اختلاط المفاهيم هو الذي يقرر الكثير من المواقف الفكرية ويجرنا إلى خلافات عقدية حادة ! في وقت تكون حقيقة الآراء عند التمحيص واحدة .

11‏/10‏/2011

كــاد الـمـســــيء أن يـقــول خـذونـــي


الوحدة حلم لطالما تغنى به الشعب الجنوبي وقادته لعقود خلت قبل تحققه .

الأطفال في مدارسهم ، والشباب في جامعاتهم ، والجنود في ثكناتهم ، والمسئولون في اجتماعاتهم واحتفالاتهم ، حتى المغترب خارج وطنه كان له نصيب من ذلك الحلم الجميل .

الوحدة حلم حوله الشيخ العراف من حلم جميل لآمال وتطلعات شعب بأكمله ، إلى كابوس مرعب لامس آلمه القلوب قبل الأبدان والأرض .

الوحدة قتيلة الظلم والطغيان وحكم الأسرة والتطرف الديني الجهوي ، الذي لا يؤمن إلا برأيه ومعتقده ، وينكر أحقيه الرأي والرأي الآخر ، بل ويحوله إلى فرع لا حول له ولا قوة إلا إتباع أصله ، وكان الوحدة قصد بها عائلة أو قبيلة أو شيخ أو حاكم عسكري تنسب إليه ، وبدونه تصبح خارج الشرعية ، ويجوز قتلك واستباحت دمك وحريتك وكرامتك وأرضك وتاريخك وهويتك ، حتى البحار لم تسلم من ظلم تجار الحروب والمرتزقة وتجار البشر ، وعباد الدرهم والدينار .

قتلوكِ فلا للحياة مجيب ، ظلموكِ وشيمتهم الظلم .

هجروا اهلكِ ومن أكرموكِ ، واستبدلوا من شياطين الأنس رمزا

هل صحيح أن الشعب الجنوبي توحد مع امة ظلم ، أم أن الظلم والطغيان سجية المتعاقدين في ارض صنعاء .

عن أي وحده تتكلمون قالها الدكتور عيدروس النقيب وقد عاش في صنعاء لسنوات ، ولماذا يخاف الكثير من ذكر الجنوب ، هل الخوف من الجرائم التي استهدفت الجنوب أرضه وثروته وحضارته وإنسانه ، فلا يراد لها أن تذكر حتى لا تطال يد العدالة مرتكبيها ؟، أم الخوف من اتضاح الحقيقة لإخواننا في الشمال ، لغيابها فترة طويلة من الزمن بأساليب المكر والخديعة ، وتشويه الجنوب والجنوبيين بالكذب والزور والبهتان ؟، أم الخوف من المستقبل المنشود الذي قدّم أبناء الجنوب من اجله التضحيات الكثيرة من عام 2007م حتى هذه الساعة ؟، وتحرير الأرض من غنيمة إلى ارض ذات سيادة وريادة وتاريخ وحضارة .

لماذا الخوف والارتباك على كثير من أنصار الثورة الشبابية عندما يُهاجَمون من قبل بقايا النظام واتهامهم بالاشتراك في تدمير وقتل ونهب الجنوب وتحويله إلى غنائم حرب ؟

أسئلة كثيرة تطرح والجريمة وقعت ، والحقيقة غُيبت عقود من الزمان ، من كلا الطرفين المتصارعين في صنعاء حالياً ، ولكن من ارتكب الجريمة ؟!.

لا نقول الشعب الشمالي بأكمله لأنهم إخوة لنا ، ومهما اختلفنا فهم أشقائنا ، ولكن هل ستكون هناك وقفة جادة من قبل الأشقاء في الشمال لفضح المرتزقة وتجار الحروب ومشرعي القتل الرخيص ، هل سيقولون للمجرم أنت مجرم ، وان كان من يقودهم ؟

التوبة تجب ما قبلها ما بين الخالق وعبده ، ولكن الحقوق لا تسقط بالتقادم ، ولا تجبها التوبة ، وليس هناك من خوله الشعب الجنوبي بالعفو والصفح عما ارتُكب ضده من الجرائم قبل وبعد حرب 94م الإجرامية .

الأيام تدور والدنيا دول ، ويوم لك ويوم عليك ، والمظلوم منصور من فوق سبع سموات ، وعزتي وجلالي لانصرنك ولو بعد حين .

وهذا لن يزيدنا إلا إصراراً وثباتاً بالمطالبة باسترداد الجنوب واستغلاله .

05‏/10‏/2011

ثـــورة حـــرية واســتـقـلال .


انطلقت ثورة الشباب في شمال اليمن من المحافظات الوسطى ( من تعز ) ومن ثم أُجبرت صنعاء على الالتحاق بركب الثورة حتى لا تكون نشازاً أمام المحافظات الثائرة المنادية باستعادة الحرية والكرامة المسلوبة منذ عقود .

كان وما زال ثوار المناطق الوسطى هم المحرك لعجلة الثورة في الشمال ، لاعتقادهم إن هذه هي اللحظة التاريخية لنيل حريتهم وكرامتهم المسلوبة منذ عقود ، لتسلط حكام اليمن الأعلى على حكم البلاد ، وتقلد اقلب المناصب السيادية الهامة التي تدير وتوجه الدولة ، إضافة إلى ذلك اعتقادهم بأحقية حكم اليمن وأنهم هو الأسياد ، وما سواهم فتابع أو فرع .

ولهذا كانت تضحيات أبناء تلك المناطق كبيرة جدا وصلت لإحراق الكثيرين منهم في محارق جماعية في مدينة تعز ، وقتل العشرات في صنعاء ، وعشرات من الضحايا في صفوف الجيش المؤيد للثورة حسب زعمهم .

أما ثورة الشعب الجنوبي فمنذ انطلاقها في بداية عام 2007م ، وتوسعها وامتدادها ، وتوحد أبنائها قاطبة في الداخل والخارج ولانخراطهم في حراكها السلمي الثائر ، كان شعارها حرية واستقلال ، وليس حرية وكرامة فقط .

ان الفارق كبير بين الثورتين في الشمال والجنوب ، والكل يسعى لتخليص بلده من الحكم الأسري الطاغي الذي عاث في الأرض فساداً منذ عقود ، ولكن هذه الثورات لم تسلم من المؤامرات من الداخل والخارج ، ولم يسلم أنصارها من التشويه ، والرمي بأقبح الأوصاف ، بل والكذب عليهم تارة بقتل المتظاهرين ، وتارة بقطع الألسن ، وتارة بارتكابهم الفاحشة في الساحات من خلال الاختلاط كما يصفون ، وتارة بأنهم عملاء ، وتارة بأنهم خارجين على الشرعية ، وتارة بأنهم بغاة يجوز قتلهم لخروجهم على الحاكم الشرعي الذي حكم بالعدل ، فلم يجد الأمان على نفسه في عقر داره .

فهل مصير هذه الثورات الشعبية العارمة التي تنادي بانتزاع الحقوق ، وليس باستجدائها ، وإسقاط الشرعيات الكاذبة بسيادة الشرعية الثورية ، وإسقاط القوانين والدساتير المزورة، وإعادة صياغتها من جديد لتلبي تطلعات أبنائها الثائرين ، وإبعاد الجيش من أجير مرتزق يدافع عن شخص بقتل شعب ، إلى رمز للسيادة والبطولة والفداء ، وإلى الحرية الكاملة الغير منقوصة ، ومحاكمة القتلة والمتنفذين وتجار الحروب.

هل سيكون مصير هذا الثورة أنصاف الحلول ، والتنازل عن دماء الشهداء الذي قدموا أرواحهم الزكية الطاهرة في سبيل انتزاع الحرية والاستغلال ، اعتقد أن الموافقة على ذلك خيانة عظمى لدماء الشهداء ، وجريمة لا تغتفر .

صحيح إن التضحيات كبيرة من اجل الوصل إلى الهدف المنشود ، ولكن ثمن الحرية كما قيل غالي ، واستعادة الوطن أغلى من كل شيء .

وخلال الأيام الماضية اصدر علماء السلطان فتوى وصفت من قبل شباب الثورة ومن انظم إليهم من أحزاب اللقاء المشترك والجيش بالفتوى الكاذبة الظالمة ، لأنها تستبيح دمائهم دون حق ، وتعطي الشرعية لجيش علي عفاش وأعوانه بقتل أولئك ، وكذلك لا تستند إلى حقيقة شرعية وإنما تستند إلى إرادة الطاغية المستبد الذي يريد الاستئثار بالسلطة له وأولاده وعائلته ، وعدم التنازل بجزء من تلك السلطة للشريك القديم الذي ساهم في صناعة ذلك الطاغية فأصبح اليوم في صف الثوار .

أما نحن كجنوبيين فموقفنا أن هذه الفتوى ظالمه جائرة كاذبة ، هدفها تشريع القتل واستباحة الدماء والأموال والإعراض لهدف شخصي ، وليس لمقصد شرعي ، وان مثل هذه الفتاوى التي ضررها متعدي ، والتي تُشّرع القتل ويروح ضحيتها الكثير من الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب العزل تعتبر جرائم حرب ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم ، وعلى مُصدّريها أن يُقَدموا للمحاكمة ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية ، فهذه الانتهاكات ضد الشعوب تحرمها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية والقوانين الوضعية ، وليس للشرع الحنيف أي تدخل في ذلك لأنه جاء رحمة لحمايتهم وتحريرهم من العبودية ولم يأتي لتشريع قتلهم أو استعبادهم بأي شكل من الأشكال .

كما نوجه رسالة إلى أولئك المشايخ الذين يطلقون عليهم بالعلماء زوراً وبهتاناً ، نقول لهم اتقوا الله في دماء الأبرياء واعلموا انه سيأتي اليوم الذي يقتص منكم في الدنيا قبل الآخرة ، كما نوجه رسالة لمشايخ الطرف الثاني المنظمين لثورة صنعاء حالياً ، ونقول لهم لقد كنتم يوماً من الأيام تُشّرعون القتل ضد دولة الجنوب في 94م مع من اصدر ضدكم اليوم الفتوى بقتلكم واستباحة دمائكم ، وكان ذلك لتحقيق مكاسب لشخص الطاغية وأعوانه ومرتزقته ، الذي شاركتم في صناعته طيلة الفترة الماضية ، فلقد دار الزمان دورته وعُوقبتم بنفس الكاس ، فنحن اليوم لا نتشفى بما حل بكم ، ولكن هل آن الأوان أن تعترفوا بالخطى ، وتعتذروا لشعب الجنوب وتعلنوا
فوق السحابة فوق رفرف يا علم
فوق الجبال السود في روس القمم
شف ثورة الأحرار تكفلها الشعوب
اليوم شمر ساعدك يا أبن الجنوب
انا موقفي واضح ولي مبدأ ارتسم
ومطلبي دولة باسمي في الأمم
واللي ربي عا الكذب عمره ما يتوب
اليوم شمر ساعدك يا أبن الجنوب
قد كان للوحدة وسط قلبي نغم
لكن حلمي مات وأتبدل ندم
وحدة لنهب الأرض جو من كل صوب
اليوم شمر ساعدك يا أبن الجنوب
أهديناهم وحدة وردونا خدم
وشعبنا تاريخ له منذ القدم
في وجه الاستعمار ما يخشى الحروب
اليوم شمر ساعدك يا أبن الجنوب
ذلك أمان العالم وفي وسائل الإعلام ، وأنكم تتوبون إلى الله من فتواكم التي تسببت بقتل الآلاف من الجنوبيين ، فإذا قلتم أنكم كفّرتم الاشتراكي فما بال الجنود الذي استبحتم دمائهم ودماء الأطفال والنساء ، ولماذا لا تصدرون فتوى تجيز قتل الجنود الذين يحمون النظام في صنعاء ويمكنونه من قتل نسائكم وأطفالكم وشبابكم العزل ، أم أن الكيل بمكيالين طبيعة وسجيه لمشايخ صنعاء .

فإذا لم يقبل منكم شعب الجنوب الاعتذار فإنكم سوف تُقدمون لمحاكمة عادلة لارتكابكم جرائم حرب ضد الإنسانية .

وهذا نص لفتوى الديلمي ضد أبناء الجنوب في حرب 94م يقول : ( إننا نعلم أن البغاة في الحزب الاشتراكي المتمردين هؤلاء لو حصينا عددهم لوجدنا أن إعدادهم بسيطة ومحدودة ولو لم يكن لهم من الأنصار والأعوان ما يقف إلى جانبهم ما استطاعوا أن يفعلوا ما فعلوه في تاريخهم الأسود ... إنهم أعلنوا الردة والإلحاد والبغي والفساد والظلم بكل أنواعه وصنوفه ولو كان هؤلاء الذين هم رأس الفتنة لم يكن لهم من الأعوان والأنصار ما استطاعوا أن يفرضوا الإلحاد على احد ولا أن يعلنوا الفساد ، لكن فعلوا ما فعلوا بأدوات ، وهذه الأدوات هم هؤلاء الذين نسميهم اليوم المسلمين !!! هؤلاء هم الجيش !!! الذي أعطى ولاءه لهذه الفئة ، فأخذ ينفذ كل ما تريد هذه الفئة فيقتل ويشرد وينتهك الإعراض ويعلن الفساد ويفعل كل هذه الأفاعيل ، فأنهم ( كفار ) .

وصدق عبد الله بن المبارك عندما قال : صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس ، الملوك والعلماء .

وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها.

29‏/07‏/2011

ثـورة الـشبـاب بـيـن الإحـبـاط ، والـدوران فـي الحـلـقـة الـمـفـرغـة .


انطلقت ثورة الشباب في اغلب محافظات اليمن ، ولم تكن بداية تلك الثورة في صنعاء باعتبارها العاصمة والمحرك الأول ، ولكن اللقاء المشترك الذي يتخذ من صنعاء مركز لانطلاقه ونفوذه ضل يراوح مكانه حتى أجبرته الثورة الشبابية للانضمام للثورة الشعبية الشبابية الذي تتخذ التصعيد السلمي الميداني خيارها لإسقاط النظام وتغييره ، مقابل خيار المفاوضات والحوار الذي يتخذه اللقاء المشترك كخيار أساسي في التغيير .

وبسبب عدم تحقيق أي تقدم على الصعيد السياسي بالنسبة للقاء المشترك ، ونزول الشباب إلى الميدان الثوري أطر اللقاء المشترك لإنزال قواعده لخوفه من مطالبة ثورة الشباب برحيله مع النظام الفاسد ، لكون كثير من قيادة اللقاء المشترك من الشخصيات التي ساهمت في تدمير اليمن وإفساده ، وبالتالي يعطي لنفسه الشرعية الثورية والسياسية ، وبرز ذلك من خلال المفاوضات الأحادية التي كان يخوضها مع دول الخليج ، والممثل الأمريكي ، والاتحاد الأوروبي ، بمعزل عن شباب الثورة ، بل وتهميش ثورة الشباب وجعل نفسه الممثل الوحيد للثورة والتغيير في اليمن ، مع انه انظم إلى الثورة الشبابية الميدانية متأخراً .

كذلك فعل الحاكم العسكري على محسن الأحمر نفس الأسلوب بانضمامه متأخرا لثورة الشباب ليقوم بعدة أداور منها الاحتماء بالثورة ، لينجوا من المحاسبة القانونية للجرائم التي ارتكبها في الماضي سواء في المحافظات الشمالية ، أو في الجنوب العربي بعد الوحدة وكان هو العنصر الفاعل المخطط والمنفذ لتدمير الجنوب والقضاء على الوحدات العسكرية الحامية للجنوب وأهله ، ليمكن للحاكم السياسي على صالح من بسط نفوذه على الجنوب ، ومن ثم يتم تقاسم التركة حسب ما يحلوا لهم ، الأمر الثاني والاهم وهو التحكم بمسار الثورة والتلاعب بها حسب المصالح والأهواء التي يسعون إليها ، لا ما تريده الثورة الشبابية الشعبية من إقامة الدولة المدنية الحديثة التي لا يسود في ظلها حاكم عسكري ولا قبلي ولا سياسي وإنما الحكم للشعب ، وكذلك نقل الحكم من الحاكم السياسي العسكري الذي فقد مناصريه العسكريين والقبليين والسياسيين والدينيين ، وأصبح التكتل الجديد من هذه الأصناف هو الذي يريد أن يسود ويحكم باسم الثورة الجديدة ، وكما قال المثل علي بن علي ، أو صنعاني وذماري ، وأن لا يخرج الحكم عن اليمن الأعلى ، وبالأصح لا يريدون أن يخرج الحكم عن الشخصيات التي تنتمي إلى مناطق الزيدية لاعتقادهم بان حكم اليمن خاص فيهم ، وان كان القميص الذي يلبسونه يتلون على حسب الأهواء والمصالح ، مرة باسم الجمهورية ، ومرة باسم الشرعية الدستورية ، ومرة باسم الشرعية الثورية الشبابية ، وكأنك يا بو زيد ما غزيت .

كانت ثورة الشباب في اليمن قد حققت كثير من الايجابيات والتطورات ، إلا أنها لم تكون تمتلك الهدف الواضح الموحد ، وبفعل فاعل وبأهداف مرسومة حاولت ساحة الثورة بصنعاء أن تكون هي المهيمن على الثورة الشبابية في كل المحافظات ، بل وأصبحت هي المتحدث الرسمي والوحيد الذي يحدد أسلوب التصعيد والتغيير والحسم في اليمن ، حتى في تسميات يوم الجمعة ، وأصبح ثوار ساحة التغيير بصنعاء هم اليمن وبغية الساحات في دولة ثانية لا تُعطى أي أهمية .

سيطرت صنعاء على ثورة الشباب بل وهيمنة عليها وأصبحت الثورة مختزلة في صنعاء ، وأصبح ثوار صنعاء يعتقدون بملكية الثورة وأنهم أصحاب شهداء الثورة المتمثلة بجمعة الكرامة ، وتناسوا العشرات من الشهداء في جميع محافظات الجمهورية وبالأخص محافظات الجنوبية العربي الذي قدموا العشرات من الشهداء منذ مطلع 2007م ، عندما كانوا يعيشون خارج التغطية في المحيط المتجمد الشمالي .

لم يكن شعار ارحل يوحي بإسقاط النظام من أول وهلة انطلقت فيه الثورة الشبابية في اليمن وبالأخص عند شباب أنصار اللقاء المشترك الذين نزلوا للساحات متأخرين وبأوامر قيادتهم التي ليس لها رؤية واضحة بل تغير رأيها وقرارها في اليوم عدة مرات ، كما اتضح ذلك بموافقتهم على المبادرة الخليجية بتقاسم السلطة مع النظام لا رحيله ، أما الثورة الشعبية في الجنوب العربي أو ما يحلوا للبعض أن يسميها بحراك المحافظات الجنوبية فقد كان الهدف واضح وجلي لأنصارها ، وبرز ذلك من خلال شعار ثورة ثورة يا جنوب، بل عندما حاولت صنعاء أن تهيمن على الثورة في اليمن بشعار أرحل تأثر بعض شباب الجنوب ، بشباب اللقاء المشترك ، لكن سرعان ما اتضحت الحقيقة وانكشف الغبار ، الذي حاول أن يغطي نور الشمس الساطع ، ونهار الحرية المشرق الواضح وضوح الشمس في رابعة النهار ، وتذكروا المثل السائد في المحافظات الشمالية الذي يقول ( من ضحك عليك مرة لا رحمه ، ومن ضحك عليك مرات لا حرمك )، أي لا رحم من ينجر وراء من يخدعه باستمرار ، بل وتوصل اقلب الشباب إلى قناعة ثابتة بأنهم لا يمكن أن يجنوا من صنعاء العنب حتى أيام ما كانوا أصحاب دولة وسيادة ، فما بال اليوم وهم خدام لصاحب العنب .

ستظل ثورة صنعاء تدور في حلقة مفرغه ، وان بذلت الجهود المختلفة وذلك لفقدانها الهدف الحقيقي للسير في الخط المستقيم الذي يوصل إلى الهدف المنشود .

وما دام قادة ثوار صنعاء هم أنفسهم أقطاب نظام الحكم السابق الذي ساهم في تدمير اليمن بشكل عام والجنوب بشكل خاص ، فلا اعتقد أن تلك الثورة ستنتصر على قوى الشر المختلفة والمتربصة بالثورة من الداخل والخارج ، لتقيم الدولة المدنية العادلة .

وستظل صنعاء هي المهيمن دائما على كل شيء مهما تغيرت الأمور ، فهل آن الأوان أن تسقط هذه الزعامة الهزيلة التي لم يجني منها اليمن السعيد قديما وحديثا إلا الخزي والعار والدمار والخراب ؟

03‏/07‏/2011

القيادة الجنوبية وأبعاد المرحلة السياسية

القيادة الجنوبية وأبعاد المرحلة السياسية

منذ بداية الوحدة اليمنية في مطلع عام 90م وخاصة على الصعيد العملي ، لا على الصعيد النظري للوحدة اليمنية أنصدم الشعب الجنوبي قيادة وشعباً ، بالممارسات العملية التي وجدوها بانفتاحهم على المناطق الشمالية ، سواءً أكان ذلك في معسكرات الجيش والوحدات الاندماجية المشتركة ، أو في المؤسسات الحكومية والوزارية ، حتى على مستوى رئاسة الجمهورية أصبح النقاش حول قضايا البلد والدولة في مقايل القات ، بينما كان في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في المقرات الحكومية ، وفي إطار الدوام الرسمي ، والبرتوكولات الخاصة ، وأما على الصعيد الشعبي ، فلقد توافد المواطنون من المحافظات الشمالية وبخاصة بعد عودتهم من الخليج بسبب الحرب بإعداد كبيرة ، ونظراً لكثافتهم السكانية وقلة الفرص العملية في المناطق الشمالية تم اندفاعهم في مختلف المحافظات الجنوبية ، وانخراطهم في مختلف المهن العملية ، ومن خلال المعايشة اليومية والمبادلة التجارية والعملية ، بدا الشعب يكتشف عمق تلك المشكلة.

أما على مستوى الدولة فقد تجذرت المشكلة بالدرجة الرئيسية الأولى بتركيز الإعلام المختلف على أمور مهمة وخاصة أن الجنوب اشتراكي وبأنه لا يؤمن بالدين الإسلامي ، بل ويحاربه ، ويستطيع أن يحول الشمال الإسلامي إلى نفس التركيبة الاشتراكية ، وانه الخطر القادم على اليمن لا محالة، فإذا لم يُقتلع فانه سوف يؤثر في البلاد والعباد ، وانعكس ذلك عند المواطنين عندما أصبحوا يرددون نفس الأفكار والعبارات ، بل أصبح التعامل مع الجنوبيين بمنطلق الحذر واخذ الحيطة ، بينما أبناء المناطق الجنوبية يندمجون في التعامل مع إخوانهم من أبناء المناطق الشمالية بكل حب وتقدير واحترام ، بل أصبح التأثير الإعلامي واستغلال العاطفة الدينية هي المسيطر على الكثيرين ، ولوحظ ذلك عند كثير من أبناء الجنوب الذين أصبحوا ضد إخوانهم في المحافظات الجنوبية بحجة أنهم كفار واشتراكيين ، ولا بد من تطهير اليمن من ذلك المرض الخبيث ، ولم يعرفوا أن الأمر اكبر من ذلك بكثير .

استمرت هذه المعركة الإعلامية التشويهية يروج لها الكثير من الكتاب والمفكرين وعلماء الدين ، بل وأصبحت الفتاوى الجانبية في كثير من مراكز التعليم الديني تكرس تلك الفكرة وبقوة ، واستغلت الحكومة بمثلة بزعيمها الرمز القائد وصانع الوحدة وكثير من الزعامات القبلية والعسكرية والدينية النافذة تلك الأفكار ، بل وأصبحوا يدفعونها بكل ما أوتوا من قوة .

بل أنهم استطاعوا أن يديروا اللعبة باحترافية ، بينما قيادات الجنوب يعيشون في ظل الرومانسية والفلل والشقق الفارهة ، والأموال التي أُعطيت لهم في صنعاء ، ولم يعرفوا ان تلك الأموال قد دُفعت ديةً لأجسادهم مقدماً ، ولم تتنبه القيادة العسكرية الجنوبية للضوء الأخضر الذي أُعطي لقادة الوحدات العسكرية الجنوبية من قبل السلطة الحاكمة لتفكيك المعسكرات والوحدات العسكرية وخلخلتها من الداخل حتى يتسنى الانقضاض عليها وتدميرها حين توفر الفرصة السانحة ، لان تلك الوحدات العسكرية هي العائق دون تحقيق المكاسب السياسية ، والحامية لشعب الجنوب وتاريخه وهويته ، والواقف في وجه المشروع الإستيلائي على اليمن برمته ، بل والأكبر من ذلك خروج الجنوب من المعادلة السياسية بتقسيم اليمن إلى دوائر انتخابية على حسب الكثافة السكانية ، ومعروف سلفا أن المناطق الشمالية هي الأكثر سكانا أضعاف أضعاف المناطق الجنوبية الكبيرة المساحة الغنية بالثروة القليلة السكان ، ولم يؤخذ بعين الاعتبار الثروة والمساحة والتخلي عن العلم والعاصمة والدولة والعملة الذي قدمتها دولة الجنوب ، عندها نجحت القسمة الجديدة وحصول المناطق الشمالية على 245مقعدا في مجلس النواب الذي من خلاله يتم المشاركة في الحكومة واقتسام السلطة ، بينما المناطق الجنوبية لم تحصل إلا على 56 مقعدا فقط من أصل 301 مقعدا ، وهذه النسبة لا تأهلهم بفوزهم بأغلبية تلك المقاعد أن يكونوا شركاء في الحكم والسلطة ، وعندها خرجت القيادة الجنوبية من المعادلة السياسية عمليا ، وان كانت ما تزال ممثلة بالاسم فقط لامتلاكهم بعض الوحدات العسكرية التي كانت تثير عند الحكومة الرعب والخوف ، وفي الطرف المقابل نجد الفريق أذي أصبح الأقوى سياسياً يتحين الفرصة للاستيلاء على الحكم ، والقضاء على الوحدات العسكرية الجنوبية، والاستئثار بالحكم لصالح طرف محدود من أبناء المناطق الشمالية .

بدأ النظام يمارس التصفية بالقتل لقيادة الجنوب المهمة من وجهة نظرهم ، حتى أوغل في القتل لمجموعة كبيرة ، كان الهدف من تلك الاغتيالات تصفية الرموز المؤثرة والمهمة ، وإثارة الرعب في صفوف من سينجو ، وشراء ولاءات البعض الأخر ، والذي ينجو من تلك الاغتيالات سيكون له حساب آخر ، وسوف تندفع قيادة الجنوب للجوء إلى عدن ، بلدهم الأصل ، ليتم الرقص على رؤوس المدافع والدبابات والطائرات ، بحجة أن قيادة الجنوب تريد الانفصال ، وأنهم كفار اشتراكيين وخارجين على الشرعية الدستورية ، تلك الشرعية الكاذبة والمزعومة .

لم يستطع نائب الرئيس ، الذي أصبح نائبا بالاسم والذي لا سلطه له في ظل حكم نظام صنعاء، وهو السبب في وصوله ووصول الجنوب إلى هذه المرحلة المخزية من المنهانة والسخرية ، أن يصبر على ما يلاحظه أمام عينيه ، وبوصول تلك الطلقات إلى اقرب الناس إليه ، عندها أعلن بصراحة أن اليمن دخلت في أزمة سياسية.

انا باعتقادي أن اليمن دخلت في الأزمة السياسة بإصرار البيض على الوحدة الاندماجية التي كان صالح يريد أن يوقع البيض فيها بأسلوب متهور باقتراحه أن تبدأ الوحدة بالفدرالية ، ليجد الطرف الثاني الذي هو البيض نفسه مدفوعاً لقبول الوحدة الاندماجية وبتهور، ولم يعرف انه قد وقع في الفخ القاتل ، وهذا يدل على ضعف حنكة البيض سياسياً والقيادة الجنوبية المتنفذة في ذلك الوقت بإدارة المرحلة .

وبهذا الاشمئزاز من هذه التصرفات ، وتعمد الكثير منها ، تم خلق صورة ذهنية سلبية عند أبناء المناطق الجنوبية ، لم تكن المشكلة في الوحدة إنما المشكلة في الآلية التي تأسست عليها الوحدة ، لم تكن الوحدة الاندماجية هي الحل الأمثل في بداية الوحدة .

لقد كانت الوحدة اليمنية مطلب وخيار استراتيجي لأبناء الجنوب، وقد تمثلت بالممارسات اليومية التي كنا نعيشها ، ونرددها صباحا ومساءا ، وأصبحت شعارا للصغار قبل الكبار ، وهو الدفاع عن الثورة ، وتحقيق الوحدة اليمنية ، لم يصدق علي صالح أن الأمر تحول إلى ما كان يحلم به من زمان ، وهو الاستيلاء على اليمن وبهذه السرعة والبساطة التي لم يتصورها ، فعندما حانت الفرصة الذهبية بالنسبة له بإعلان البيض فك الارتباط ، كان البيض قد حقق له الهدف الذي كان يرسمه ويريد الوصل إليه منذ توليه الحكم في شمال اليمن عام 78م، وكانت العملية قد اكتملت ، واشرف عليها الكثير من أقطاب النظام الذين كانوا متوحدين واخذين العهود والمواثيق للسيطرة على خيرات ومقدرات الجنوب لتكون هي المغنم ، ويصبح الشعب هو المغرم .

جاءت الحرب الإجرامية الهمجية في صيف عام 94 م والتي شارك فيها العديد من القيادات الشمالية ، ممثلة بالقيادة السياسة والعسكرية والقبلية والدينية المعروفة للجميع في توحد لم يشهد له مثيل من اجل المصالح المشتركة ، وأصبح الجميع في غرفة واحدة للعمليات يديرون الحرب ضد إخوانهم أبناء المناطق الجنوبية بحجة الحفاظ على الوحدة والشرعية الدستورية ، والحفاظ على الفرع في ظل وجود الأصل .

لقد استطاعت تلك القيادة المتعددة الأقطاب أن تقوم بعدة ادوار والهدف واحد في مفوضاتهم المزعومة ، تارة بالمفاوضات السياسية يمثلها القائد السياسي ، وبالحرب من خلال القيادات العسكرية ، وبالحشد الشعبي للجماهير وجعلها حرب مقدسة ضد مجموعة من الكفار الاشتراكيين ويمثلها القيادة القبلية والدينية ، واشترك الكل في تلك الحرب الهمجية ، وتم القضاء على الجنوب وتدميره ، وبل وتحويله إلى غنيمة حرب وفيد حتى أصبح مسرحا للنهب والسلب ، ولم تسلم من تلك الأفعال الهمجية حتى بيوت المواطنين الأبرياء ، وبانتهاء الغنائم العينية ، تحولت الجنوب إلى غنيمة يتقاسمها زعماء الحرب ، بل ويتوارثون السلطة والثروة فيها فيما بينهم .

لقد تحول الجنوب بعد الهرب الإجرامية الهمجية إلى ساحة نفوذ لترك الأطراف المشاركة في الحرب ، وأصبحوا هم المتنفذين والمسيطرين على الأرض والثروة والمناصب ، حتى أن الجنوب تحولت إلى أقاليم يديرها شخص واحد من خلال مجموعة بسيطة من الأشخاص أصحاب الولاء الشخصي لذلك الحاكم العسكري ، قليلي العلم والمعرفة .

اختفى قادة الجنوب من ذلك المشهد ، واتجه الجميع للبحث عن المصالحة الخاصة البسيطة ، وأصبح الشعب يصارع مصيره المحتوم بنفسه ، بل وتجرع القهر والذل والمهانة ، ولم نجد صوتا مرفوعا لتلك القيادات في الخارج للتنديد بما يجري لشعب الجنوب ، لا من قريب ولا من بعيد ، لم يكن خيار الشعب إلا تحمل المرارة التي لحقت به ، والنكبة التي حلت عليه، حتى وصل الأمر مبلغه ، والصبر منتهاه ، عندها انطلقت ثورة الغضب ، ثورة استرداد الحرية المسلوبة ، والأرض المنهوبة ، والتاريخ والحضارة ، ثورة الجنوب الحر ، الذي لا يرضى بالعبودية على مختلف تاريخه ومراحله، وان لم يجد القوة والمال ليبذلها في سبيل تحرير كرامة الإنسان الممتهنة ، لكن لديه عزائم الشباب ، وصبر الكبار ، والاستبسال مهما كلف الثمن .

انطلقت ثورة الغضب في باديتها بمطالب حقوقية لاسترداد جزء من الحق المنهوب من لقمة العيش اليومية ، فتوزعت مظاهرات العسكريين في العديد من المحافظات الجنوبية وبشكل متقطع ومن دون أي تنظيم أو تنسيق أو قيادات محددة وإنما كانت في غالبها تعبيرا عن سياسة الرفض والإقصاء التي تمارسها الحكومة ضد أبناء الجنوب وبسبب انتشار الفساد في المؤسسات الحكومية وسوء الأحوال المعيشية في اليمن بشكل عام ، فأصبح الجنوب من أقصاه إلى أقصاه ، من المهرة إلى باب المندب ، شعلة واحدة لا تنطقي إلى أن تستعاد الأرض والحرية .

عندها بدأت تتشكل نواة القيادة الجنوبية لإدارة المرحلة الجديدة والتي تتطلب صلابة القادة ، وان يكونوا في الصفوف الأولى للتضحية من اجل الوطن المسلوب ، ولكنها كانت قيادة بسيطة متفرقة إلا القليل من المخلصين الذي يبذلون أرواحهم قبل أن يبحثوا عن مناصب في أحلام الشهداء الشباب ، ودموع الثكالاء والأطفال ، لا لمصالح شخصية ولكن لجمع الكلمة وتوحيد الصف والوصول إلى الهدف المنشود .

ومع تطور الأوضاع وبروز القضية الجنوبية ، وتزايد تضحيات شباب الجنوب بالنفس والنفيس ، وأصبحت قضية رأي عام ، ظهر القادة الجنوبيين الذي كانوا في القصور بينما الشعب في المحنة والنكبة ، وأصبح الكل يتكلم باسم الجنوب الحر ، وبل وصل الأمر إلى ادعاء الأحقية من بعضهم بان يكون هو المخول الأول للحديث عن القضية الجنوبية .

لم يكن سكان المناطق الشمالية ينظرون إلى الجنوبيين الثوار على أنهم أصحاب حق ، وان لهم حقوق مسلوبة ومن حقهم المطالبة بها ، ولكن الكل تحول إلى محارب ضد تلك الثورة خلال الخمسة الأعوام الماضية من نهاية عام 2006م حتى قبل خمسة أشهر من ظهور ثورة الشباب اليمنية كلل ، وأصبحوا عبارة عن صورة عاكسة لما يقوله ويروجه الإعلام اليمني من الأكاذيب والافتراءات والتشويه بالمواطن الجنوبي بعد أن قضوا على الثروة والأرض ، وان الجنوبيين لم يدخلوا الوحدة إلا بسبب انهيار الاحتداد السوفيتي ، عندها لم يجدوا ما يأكلون فلجئوا إلى الوحدة ، وان صانع الوحدة الحقيقي وباني نهضة اليمن إنما هو علي صالح ، وأما الجنوبيين فعبارة عن قتلة ومجرمين ، ولا ننسى ما كان يحدث بين اليمنيين في الغربة ، ووقوف الشماليين صف واحد ضد ثورة الحرية والكرامة في الجنوب ، ورميها بكل أصناف التهم ، وأصبح البعض يتصيد لزميله في العمل أو جاره ، ليوقعه في حبال الكيد والمكر ، ليرحل خارج أوطان الغربة ، ويعود إلى سجون الظلم والقهر في اليمن السليب .

ولكن إرادة الله فوق كل الإرادات ، وان يرينا عجائب قدرته في الظلمة ، وان يشاهد المظلوم عاقبة الظالم وما يحل به أمام ناظريه ، سقط صانع الوحدة وباني نهضة اليمن السعيد ، وأصبح في عداد السفاكين والقتلة والمجرمين ، بل وفي خانة فرعون وشارون بسبب تلك الجرائم التي استخدمها ضد اليمنيين خلال الثورة الشبابية العارمة في اليمن كلل .

والسؤال الذي يطرح نفسه ، كيف يستفيد الجنوب من هذه المرحلة الفاصلة في تاريخه ؟

وهل وصل قادة الجنوب إلى مستوى عالي من الحنكة والسياسة ليتمكنوا من إدارة المرحلة بالشكل الصحيح ؟ وأن يعيدوا للشعب الجنوبي أرضه وكرامته ؟

والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين .

11‏/06‏/2011

فـقـر الـقـيـادة فـي الـعـالـم الإسـلامـي


جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه الأمة ، ورأى الأفراد والهيئات البشرية كخامات لم يحظ بصانع حاذق ، ينتفع بها في هيكل الحضارة ، وكألواح الخشب لم تسعد بنجار يركب منها سفينة تشق بحر الحياة.

رأى الأمم قطعاناً من الغنم ليس لها راع ، والسياسة كجمل هائج حبله على غاربه ، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه ، ويجرح به أولاده وإخوانه .

في كل ناحية من نواحي هذه الحياة الفاسدة تسترعي اهتمام المصلح وتشغل باله .

ولذا حرص الإسلام من أول يوم على رد النفس البشرية إلى فطرتها ، وفق منهج دقيق متناسق يحفظ للروح والعقل والبدن حقوقهم من غير تفريط ولا إفراط .

فإن الفضيلة كما يقول الإسلام تحيى إذا جاهد الإنسان لبسط سلطانها على الأرض ، وتموت إذا خذلها وتقاعس عن نصرتها .

ولهذا قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عامل مصر ، وقد ضرب ابنه مصرياً ، وافتخر بآبائه قائلا : خذها من ابن الأكرمين ، فاقتص منه عمر ، وقال : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ، فلم يبخل هؤلاء بما عندهم من دين وعلم وتهذيب على أحد ، ولم يراعوا في الحكم والإمارة والفضل نسباً ولوناً ووطناً ، بل كانوا كسحابة انتظمت البلاد وعمت العباد ، وغوادي مزنة أثنى عليها السهل والوعر ، وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها .

وهذا ما امتاز به أصحاب النبي محمد عليه الصلاة والسلام بأنهم كانوا جامعين بين الديانة والأخلاق والقوة والسياسة ، وكانت تتمثل فيهم الإنسانية بجميع نواحيها وشعبها ومحاسنها المتفرقة في قادة العالم ، وكان يمكن لهم بفضل تربيتهم الخلقية والروحية السامية واعتدالهم الغريب الذي قلما اتفق للإنسان ، وجمعهم بين مصالح الروح والبدن ، وعقلهم الواسع أن يسيروا بالأمم الإنسانية إلى غايتها المثلى الروحية والخلقية ولمادية .

في اعتقادي أن الدعوة الإسلامية في هذا الزمن تشكو من فقر في القيادة والتنظيم ، ولا أكون مبالغاً إذا قلت أن عناية الحركة الإسلامية في تهيئة دعاة موجهين وخطباء مرشحين يفوق عنايتها في تكوين قادة منظمين ، حتى هذه النسبة الضئيلة في مجالات التكوين التنظيمي فغالباً ما تسوقها الصدف ، وقلما يأتي بها القصد والتصميم

وحتى المراكز القيادية في حياة الدعوة فقد بات لا يرشح لها إلا أصحاب الكفائأت ( العلمية والشرعية ) دونما القدرات التنظيمية ذات الكفائأت القيادية والإدارية ، فلا يكاد يبرع أخ في الخطابة أو ينال آخر مؤهلاً شرعياً حتى يرى نفسه لها أهلاً ، وهذا ما كان يؤدي في غالب الأحيان إلى إخفاقه في كثير من المهمات ، وبالتالي إلى خسارة الأخ نفسه بسبب ردود الفعل النفسية التي تصيبه منجراء فشله المتلاحق .

فمركز القيادة مركز الدائب والعمل المتواصل والجهاد المستمر .

ولذا كان من أهم موضوعات التنظيم ما يتعلق بالقيادة وخصائصها وصفاتها .

ولمعرفة القائد لامته تماماً يلزم أن يكون ملماً إلماماً جدّياً بشؤونها الفكرية والتوجيهية والتنظيمية ، مواكباً لنشاطها ، مطلعاً على أعمالها وتصرفاتها ، وما يدور في محيطها .

وضمان نجاح القيادة إنما يكون في تلاحمها مع أفرادها وعدم انفصالها عن الموكب المتحرك أو انعزالها في صومعة ، بل أن المسؤولية القيادية لتتطلب من صاحبها الاتصال الدائم بالإفراد والتعرف على آرائهم ومشكلاتهم .

وقيام القائد بملاحظة الأفراد وتعرفه عليهم جيداً ، وإطلاعه على أحوالهم وأوضاعهم الخاصة والعامة ، ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم ، والعمل على حل مشكلاتهم ، كل هذا مما يساعده على ضبطهم وكسب ثقتهم ، وبالتالي على حسن الاستفادة من طاقاتهم .

والأفراد ينظرون دائماً ويتطلعون إلى قادتهم كأمثلة حسنة يقتدون بها ويحذون حذوها ، فسلوك القائد ونشاطه وحيويته وأخلاقه وأقواله وأعماله ذات أثر فعلي على الجماعة بأكملها .

والقوة والإرادة ركن من أركان الشخصية القيادية بها تذلل الصعاب ، وبها تحل المشكلات ، وبها نجتاز العقبات .


إن الإسلام في هذا الزمن بحاجة إلى قيادة يحسنون عرض الأفكار الإسلامية ومبادئه ، ويحببون الإسلام فلا ينفرون منه ، ويوضحون أفكاره فلا يعقدونها ، فكم من أدعياء شوهوا الإسلام بسوء دعوتهم ، وأساؤا إليه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .

وأود أن أشير هنا إلى أن المحن والشدائد يجب أن تبعث في النفوس معاني الإصرار على الحق والثبات دونه ، كما ينبغي أن تدفع إلى مراجعة الأخطاء، وتعبئة القوى على ضوء الاستفادة من التجارب والأحداث

ان درب الدعاة في هذا العصر درب محفوف بالإغواء والإغراء ، لقد هدمت جاهلية القرن العشرين وما تلته في الواحد والعشرين كل معنى من معاني الفضيلة والخير والكرامة ، وأسفرت عن وجه كالح شاحب ترتسم فيه وتتوافر أساليب الغواية والفتنة ، وأزكمت مادية هذا العصر الأنوف حتى أصبح الإنسان لا يفكر إلا بها ، ولا يعيش إلا لها ، ولا يحكم على الأشياء إلا من خلالها ، أعمت بصره وبصيرته ، وأماتت حسه وشعوره .

وقد يكون من أهم ما تجب العناية به ووضع المناهج له ، تحويل المفاهيم والأفكار الإسلامية إلى سلوك وخلق أي إلى نفسية إسلامية ،وهذا ما يفرض إحكام الربط بين العقلية والنفسية أي بين التفكير والتطبيق ، ولقد ندد الإسلام بالانفصال جزئي الشخصية عن بعضها البعض فقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) .

وفي كل الأحوال تحتاج الأمور المهمة إلى إِشراك مستشارين وأشخاص هم على جانب كبير من حصافة الرأي والتفكير ، وعلى القائد المسئول أن يكون لديه الشجاعة الكافية لاستقبال جميع الآراء التي تساعد على نضوج قراره حول المشروع الذي يريد صنعه ، فكيف إذا كان المشروع صناعة الإنسان ، وتطويره ، والارتقاء به إلى أعلى الدرجات .

فالقيادة لا تعني فرض الإرادة على العبيد المجهولين بل تعني الشورى والقيادة معا ، وتنمية تبادل الرأي والإخلاص للعمل .

كل قائد يحيط نفسه بأركان التي تقدم له كل شيء من عيون راصدة ، أيادي حارسة ، آذان ناصته ، شفائف متكلمة ، أدمغة مفكرة ... الخ ، ولكن مهما كانت صفة توظيفهم فهم ليسو سوى أعضاء ذات فعاليات منصبة لمصلحة شخص واحد الذي هو القائد ، وقدرة الله فوق كل كبير متعال .