Social Icons

27‏/05‏/2011

هل سـيـنـطـق الـحـرس الـجـمـهـوري ؟


لقد اقتربت ساعة النصر التي بشرنا بها الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتي يمنحها سبحانه لعباده الصابرين ، وانه يُعطي على الصبر ما لا يُعطي على غيره .

إن هذه الثورة وان طال أمدها فإنها منحة إلهية ، ومدرسة تربوية لجميع إفراد الشعب اليمني السعيد ، من أقصاه إلى أقصاه ، ليستعيدوا مجداً حوله المجرم إلى ركام ، وشعب عظيم صوره الطاغية قطعان من الأغنام .

مدرسة يستنهض فيها الجميع عبق الماضي وأصالة الحاضر ، يتجلى فيها الخلق الرفيع والإيثار مع قلت ذات اليد والحاجة ، والذود بالغالي والنفيس بدون ما رابطة قبلية أو مناطقية تجمعهم وتوحدهم إلا استعادة روح اليمن المسلوبة وكرامته المجروحة ، وهذا ما شاهده العالم خلال الثلاثة الأشهر الماضية .

فيا شباب الثورة اليمنية لقد مارس النظام البائد الظلم والاستبداد ، والجور والطغيان ، والإفساد في الأرض ، وزرع الحيلة ، ونبذ الفضيلة وهتك الأعراض وقذف المحصنات ، ونهب الثروة والأرض ، وصادر الحقوق والحريات ، وهمش الشعب بأكمله وليس الشباب ، وأشعل الحروب ونشر الفوضى والفتن ، وجلب العار لليمن ، فهل آن الاون أن نخلعه .

يجب على الشعب اليمني العظيم ان يهب لخلع الطاغية ، وأن يصمد بكل ما أوتي من قوة حتى يزلزل عرشه المتهاوي، ومن ثم محاكمته وتنفيذ حكم الله فيه .

لقد اقتربت ساعة النصر فلا تترددوا ، ولا تختلفوا ، وكونوا يد واحده وصفن واحد ، إنها اللعنة تتابع السفاح مسيلمة الكذاب حتى ترديه من على حماره الأجرب الهزيل .

لقد سقط ، وسوف تسقطه الدعوات التي ما زالت تلهج بها حناجر اليتامى وأمهات الثكالى وعامة الشعب المقهور .

سيسقط بدعوات النساء اللواتي قُذفن بالعار ، ودُنس شرفهن الطاهر العفيف .

سيسقط بدموع الباكين وهم يتألمون على فقد الأب والأخ والصديق ، بل وانين المصابين وحشرجة أصواتهم ، وتطاير أشلائهم في كل مكان .

لقد آن الأوان أن ينطق حراس الجمهوري في وجه هذا الصنم ويقول له كفاك قتلا كفاك تشريدا ، كفاك تدميرا لبلدنا الجميل .

لا تظن انك حكمت فعدلت ، فنمت فأمنت ، فلن يهنى لك عيش ، ولن يغمض لك جفن ما دام الرجال على أبوابك وهم شاهرين السلاح ليأخذوا الثار منك .

لقد سئم الكل منك ، ومن حكمك ، ومن زبانيتك ، فارحل لعل اليمن يستعيد جزء من نور وجه المشرق الجميل، الذي مُرق في الوحل والعار طيلة حكمك التعيس .

05‏/05‏/2011

مـن يـصـنـع مـجـد الـوطـن وعـز الأمـة

مـن يـصـنـع مـجـد الـوطـن وعـز الأمـة

إن استمرار أسباب تخلف الوضع السياسي والاقتصادي والعلمي في مجتمعنا رسخ لدى الإسلاميين شعورهم المشروع بمسؤوليتهم الربانية الوطنية والإنسانية في ضرورة مواصلة مساعيهم وتطويرها وتقدمها على أسس الإسلام العادلة ، وفي ظل نهجه القويم ، وإقامة الدولة المدنية المتحضرة .

وتأكيدا لهذا الوضع من ناحية، وتكافؤا مع جسامة المهمة ومقتضيات المرحلة من ناحية أخرى، فإنه يتعين على الإسلاميين بمختلف توجهاتهم دخول طور جديد من العمل والتنظيم يسمح لهم بتجميع الطاقات وتوعيتها وتربيتها وتوظيفها في خدمة قضايا شعبنا وأمتنا. ولا بد لهذا العمل أن يكون ضمن حركة مبلورة الأهداف ، مضبوطة الوسائل ذات هياكل واضحة وقيادات ممثلة ، لأن الإسلام يدعو إلى التنظيم وتحديد المسئولية ، ويكره الفوضى والاضطراب في كل شئونه .

ويجب التأكيد على شمولية الإسلام ، وإبراز جانب الدولة في أحكامه وتعاليمه ، وكيفية توجيهها بأحكامه وآدابه ، وإعلان أن ذلك جزء لا يتجزأ من نظام الإسلام الشامل ، الذي امتاز بشموله للزمان والمكان والإنسان ، لان طبيعة الإسلام دين عام ، وشريعة شاملة ، ولا بد أن تتغلغل في كافة نواحي الحياة ، وعندها نستطيع التوفيق بين الرقي الحضاري ، والسمو الأخلاقي ، والمبادئ الخالدة .

إننا لا نريد الإسلام الروحي أو الإسلام الكهنوتي الذي يكتفي بتلاوة القرآن على الأموات ، لا على الأحياء ، أو افتتاح الحفلات بقراءة ما تيسر منه ، ثم ندع قيصر يحكم بما يشاء ، ويفعل ما يريد !

اذا كان الإسلام شيئاً غير السياسة وغير الاجتماع ، وغير الاقتصاد ، وغير الثقافة ، فما هو إذن ؟ أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر ، أو هذه الألفاظ التي تقول رابعة العدوية :استغفار يحتاج إلى استغفار .

إننا نطمح إلى تلك الدولة التي هي ليست دولة دينية أو ثيوقراطية تتحكم في رقاب الناس وضمائرهم باسم الحق الإلهي ، ولكن هناك ركائز تقوم عليها الدولة المدنية الحديثة :

1 – الخلق والإيمان .

أول شرط قام به نبينا محمد صلى لله عليه وسلم ليؤسس المجتمع المثالي والدولة الحديثة الإيمان بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، ومن ثم غرس القيم التي يجب أن يتصف بها ذلك المجتمع المثالي العظيم ، فكان أولها الخلق ، قال عليه الصلاة والسلام : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )، لأنه لا يمكن أن يبنى مجتمع مدني يتطلع لنشر الحضارة إلا بسموا أخلاقه وكريم فضائله ، ومن تلك الأخلاق سيادة العدل ، وتحريم الظلم ، فلا يليق بمجتمع يريد أن يصل إلى التقدم والرقي وهو يمارس الظلم ، ولا يقوم بالعدل ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)، وكان يهدف عليه الصلاة والسلام من خلال وضع تلك الصفات الجاهلية إلى غرس القيم للمجتمع الجديد ، وان تكون من خصائصه وأركانه التي لا ينفك عنها ، وان يبنى مجتمع متماسك يسعى الغني فيه لانتشال الفقير لا لهضمه واضطهاده ، وقتل إنسانيته وعزته وكرامته .

1– العلم والتقنية .

من المعروف أن عمليات التحديث والنمو الاقتصادي والاجتماعي تحتاج إلى أن يأخذ العلم والتقنية دورهما في أي مجتمع يرنو إلى التقدم والازدهار، ولا يمكن أن تقوم نهضة حقيقة في مجتمع ما إلا بالعلم الذي يوصل إلى التقنية الحديثة ، والتنمية الشاملة في جميع مجالات الحياة المختلفة .

فالعلم ضروري لأي حضارة أو نهضة – وقد أدت الحضارة الإسلامية بفتوحاتها العلمية إلى الازدهار الذي بلغته الإنسانية، وأول آية نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام :﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم ، وتدل دلالة على وجوب العلم وضرورته للإنسانية لما فيه من صلاح حال الدنيا والدين معاً .

3 – القوة والاستقلال .

لا يمكن أن تكون أمة ذات حضارة وعز ، وهي أمة ضعيفة (إلى من تكلني) ، قالها الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عائد من الطائف بعد أن رجم وأوذي ، لا هو قادر أن يدخل مكة ، ولا هو يستطيع الرجوع إلى الطائف ، فكان حريص عليه الصلاة والسلام على تأسيس ذلك الوطن الذي يعطيه القوة والمهابة ، ويمنحه العزة والمجد .

ان هذه الدنيا لا يقوم بصناعتها إلا من يقوم بها من جميع جوانبها ، لذلك أهم ركيزة من ركائز الدولة الحديثة امتلاك مصادر القوة ، العلم ، الاقتصاد ، الأخلاق ، اذا فمن يصنع هذا المجد ويعيد العز للأمة ؟ لا يستطيع أن يصنع مجد الوطن ، ويعيده للأمة إلا من توفرت فيه عدة شروط منها : -

1 – أن يكون صاحب رؤية واضحة ، وطموح للمستقبل المشرق ، والذي يستطيع أن يتصور الأمة وهي عزيزة ، وأن يرى رؤية بعيدة ومستقبلية لما يريد أن يصل إليه ، و العمل بعلانية ، كما يجب أن يكون واضح مع نفسه ، ومع غيره ، وان يكون على قدر المسئولية .

2 – التخصص ، فالتخصص هو الذي يعطي التنوع في الحياة ، والتكامل في الأدوار ، ومن ثم يركز كل فرد على تخصصه ، عندها يستطيع الجميع أن يبدع كل في مجاله ، ليساهموا في التنمية والبناء ونهضة الأمة .

3 – الجدية ، فلا يصنع المجد ولا يبني الدولة الشباب المستهتر أو المتسكع في الأسواق والطرقات ، أو البعيد عن واقع الحياة ، إننا نجد عظماء التاريخ وصانعي المجد ، لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بالبذل والعطاء والجد والتعب وسهر ألليال لخدمة وطنهم وأمتهم .

4 – العمل المؤسسي ، لقد انتهى زمن الفرد الذي يصنع المجد ، ويبني الأمة ، بل هو بالعكس السيف المسلط على رقاب الناس ، ومحطم مجد الأمة ، فلا بد أن نبذل الجهود لبناء مؤسسات لا إبراز أفراد ، وإنما بناء الفرد بناءاً مؤسسياً .

لذا يجب علينا أن نركز على فئات معينة التي من خلالها نعيد للوطن عزه وللأمة مجدها وحضارتها :

1 – الشباب ، فهم أمل الأمة وصناع المجد ، فهل كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلا شباب ، لقد اتبعه الشباب ، وتركه الكهول ، فالشباب هم آمل الأمة ومن يملك الحماس للتغيير والبناء ، ومن لديهم الاستعداد للثبات على المبادئ وبذل الروح من اجلها .

2 – النشء والأطفال ، فهم اللبنة الأولى في هذا المشروع العظيم ، فيجب القيام بتنمية النشء والنهوض به ، بدءاً من غرس قيم الحب والفضيلة فيه ، ثم المضي به رويداً رويداً حتى يصير قامة سامقة في بناء مجد الوطن وعز الأمة .

3 – المرأة ، لقد تمتعت المرأة في ظل الإسلام بمكانة مرموقة ، فهي أول من آمن وصدق وضحى بالمال والنفس في سبيل الإسلام ، وقد حظيت باهتمام كبير ، ومكانة عالية ، فقد أبى النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن يسجل للأمة الإسلامية وللعالم عبر الأجيال إلى نهاية الحياة مكانة المرأة التي تحتلّها في رسالته ودعوته إلى الحق والهداية ، ولذا أوصى بها خيراً : ( فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) وهن شقائق الرجال ، ونصف المجتمع, فإذا أهُملت سار النصف الآخر يعرج على قدم وساق ، فكان لها الأثر الكبير في تقدم الأمة وازدهارهاعلى مر التاريخ الإسلامي .

4 – الموهبون ، تقول كل الدراسات أن صانعي نهضة الأمة هم الأذكياء ، فلا بد من إنشاء مراكز ، أو مدارس للموهبين ، وليس للأوائل فقط ، حتى نستطيع أن نخرج قادة المستقبل ، وصناع المجد ، وأن نزرع فيهم بل ونرسخ قيم ومفاهيم هي أساس في بنائهم منها :

1 – الهوية العربية الإسلامية ، ان الشعور بهذا الانتماء هو الدافع لاستعادة مجد الأمة الضائع، لا من يتسكع وراء الغرب في كل ناعق ، نعم نؤخذ من تنظيمهم ومن علمهم ، وإمكانياتهم، ولكن نعتز بهويتنا وحضارتنا .

2 – المنهجية ، فلا تكفي المواعظ والمحاضرات ، لا بد من منهجية واضحة تبني عليها الجيل الصاعد ، والفرد المسلم وذلك من خلال خطوات متسلسلة ومركزة لنستطيع إنتاج ذلك الجيل المتعدد المواهب ، المتكامل الأدوار ، المتسلح بالعلم والمعرفة ، التواق لبناء وطنه وأمته .

3 – التركيز على التعليم والإعلام ، يعد التعليم والإعلام من أهم الوسائل في القديم والحديث في صناعة المجتمعات ، ونحاول أن نتذكر ان 60 في المائة من ميزانية تونس قبل الثورة كانت تصرف على التعليم ، ولذا كانت الشرارة الأولى في التغيير في عصرنا هذا من هناك .

وثانيا الإعلام ، فمن خلال دراسة أجريت على أهم الأشياء التي تزرع القيم سواء أكانت ايجابية أم سلبية ، الإعلام ، البيت ، المدرسة – الأصحاب ، المسجد ، اكُتشف أن الإعلام الدرجة الأولى لزراعة القيم والتأثير في الناس، فلا بد من التعليم من جهة ، والإعلام من جهة ثانية .

وأخيراً ، لا بد من تجديد الفكر الإسلامي على ضوء أصول الإسلام الثابتة ، ومقتضيات الحياة المتطورة ، وتنقيته من رواسب عصور الانحطاط وآثار التغريب ، وأن تكون لنا قيادة تعرف ماذا تريد ، وكيف تحرك الشعوب باتجاه هذا الهدف ، وأن تستعيد الجماهير حقها المشروع في تقرير مصيرها بعيدا عن كل وصاية داخلية أو هيمنة خارجية.

فدولة الإسلام لا تقوم على الوراثة التي تحصر الحكم في أسرة واحدة ، أو فرع من أسرة ، يتوارثه الأبناء عن الآباء ، والأحفاد عن الأجداد ، كما يتوارثون العقارات والموال ، وإن كانوا أضل الناس عقولا ، وأفسدهم أخلاق .

** بعض العبارات مختارة من كتابات بعض الكتاب بتصرف .

28‏/04‏/2011

الدولة الإسلامية (مدنية ) لا دينية ولا علمانية .

الكاتب : طارق الكلدي .


لقد عانت الشعوب الغربية أشد المعاناة من الدولة القيصرية التي حكمتهم وتحكمت فيهم بِكَهنتِها خلال العصور الوسطى باسم الدين المقدس ، فزعمت لرأس الدولة بأنه ابن السماء المعصوم بل زعمت ذلك لجميع عمال أجهزتها وادعت بأن قولهم الفصل يمثلون بسلوكهم في الأرض إرادة الرب في السماء !!

وكانت تقوم هذه الدولة الدينية المقدسة! (حسب زعمهم) بحروب طاحنة ضد كل من لم يدين بدينها من الشعوب التي تحكمها بل حتى ضد من لم يلتزم مذهبها الخاص بها داخل الدين الواحد!!

واستطاعت الشعوب الأوروبية طبعاً بعد جهد طويل أن يجعلوها علمانية تعيد الكهنة إلى داخل الكنيسة وتفصل الدين عن الدولة وتمنع الكنيسة من تجاوزها لحدود صلاحياتها ، وعادت الكنيسة إلى حالتها الطبيعية إذ هي رسالة روحية بحتة لا علاقة لها بالسياسة مطلقاً ، وهذا ما صرح به إنجيلها قائلاً : ( دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله )

إن الدولة الدينية الكهنوتية التي تحّكمت في الغرب فيما مضى باسم الدين المقدس هي السبب الوحيد في اختيار الشعب الأوروبي للبديل العلماني ، وهذان الخياران السياسيان كلاهما لا مكان لهما في المجتمع المسلم الذي تقوم دولته الإسلامية على العلاقة المرنة المتزنة بين الدين والدولة وذلك لأن نصوص رسالته في هذا الشأن نصوص غايات ومقاصد تتغير في النظام والآليات بحسب تطور الزمان والمكان والشعوب ، وهذا ما يجعلها صالحة لكل عصر ومصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

وأمّا رأس الدولة الإسلامية وعمال جميع أجهزتها فهم بشر يصيبون ويخطئون تختارهم الشعوب وتراقبهم وتشترط عليهم ، ومن حقها أن تعزلهم إذا وجد فيهم ما يمنع بقاءهم ويتعارض مع مهامهم ويوجب العزل ، والنصوص الشرعية في هذا الشأن كثيرة غير خافية بل أكدها بالقول الخليفة الأول في الدولة الإسلامية في أول خطبة له بعد مبايعته بالخلافة حيث قال : لقد وليت عليكم ولست بأفضلكم ... فإن أخطأت فقوموني ) ومثل هذا التأكيد صح عن بقية الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم .

وإذا كانت الدولة الدينية في الغرب النصراني قد أكرهت شعوبها على التدين بدينها بقوة الحديد والنار فإن الدولة الإسلامية قد منحت طوال حكمها المخالفين لها في الدين حرية البقاء على دينهم إن هم أرادوا ذلك سواء كانوا أهل كتاب سماوي محرف ، أو أهل دين وضعي أرضي كالمجوس ونحوهم ما داموا في إطار حكم الدولة الإسلامية من الناحية السياسة ، وقد عاشوا مواطنين في الدولة الإسلامية بكل حرية لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم حسب ما يقره الإسلام .

ولهذا نقول بأن الدولة الدينية هي الدولة التي جميع أركانها دين مقدس وهذه الدولة ليس لها وجود في المنهج الإسلامي بل أن اجتثاثها والإتيان عليها من أساسها جزء لا يتجزأ من مهام رسالة الإسلام الخاتمة.

وإن كانت العلمانية في الغرب النصراني طبيعية لكون رسالتهم روحية لا هم لها سوى تزكية النفس فقط فإنها -العلمانية -تتعارض مع ثقافة الشرق الإسلامي الذي نطقت نصوص رسالته السماوية المتواترة بما ينافي ذلك ويضاده إذ هي رسالة شاملة لكل نواحي الحياة بدون استثناء وهذا قضية محسومة ومعلومة من الدين بالضرورة ، ولا يسعنا كمسلمين مناقشتها أبداً إلا إذا جوّزنا لأنفسنا مناقشة الإسلام ذاته.

فالدولة الإسلامية هي الدولة التي تعترف بالإسلام عقيدة وشريعة وتمارس ذلك عملياً فان هي تنكرت للإسلام عند الممارسة والتطبيق وإن اعترفت به من ناحية نظرية كما هو حاصل في دول العالم الإسلامي هذه الأزمان فلا تكون إسلامية أبداً ويعد اعترافها بالإسلام مجرد إدعاء فقط .

وإذا كان وصف الإسلام لا يُرفَع عن الدولة الإسلامية حتى في ضل حكم الدكتاتور الظالم فانه يتوجب علينا أن نقيدها -الدولة الإسلامية -بالمدنية- وهذا مقتضى جهاد الظالمين إذ الدولة المدنية هي دولة العدالة والنظام والقانون وليس لها خلفية أيدلوجية معينة وهذا القيد ( المدنية ) مهم جداً نحتاج له في التخلص من الدكتاتور المسلم كما احتاج له الغرب ليتخلصوا به من الدكتاتور اللاديني ( العلماني ) .

14‏/04‏/2011

الـسـلـفـيـة الـمـوجـهـة والـتـغـيـيـر

السلفية الموجهة والتغيير

لقد أصبح التغيير من ضرورات هذه المرحلة التي نعيشها ، بسبب تأزم الأمور ، وتردي الأوضاع ، وانحدار البلاد إلى المجهول ، واتجاه البلد لكارثة مدمرة ، وهنا يقف الفكر السلفي الموجه حجر عثراء في طريق ذلك التغيير المنشود ، بل ويقف في صف الدكتاتور الظالم المتسلط على رقاب المسلمين الذي يسعى الشعب لإزالته وتغييره ، بسبب ظلمه وفساده ، وابتعاده عن المنهج الحق ، والطريق المستقيم . بل هو من يناصره ويتشبث به ، ويختلق الكثير من الحجج الباطلة لبقائه ، ويعتقد ذلك الفكر أن ما يقوم به من صميم الدين ، وأي دين يجيز لهم صناعة الدكتاتور والعيش في ظله !

ان السلفية الموجهة ليست هي الإسلام ، وليست هي الدين بذاته ، وليست هي الفهم الأوحد للإسلام ، أو المخولة بالتحدث باسمه ، ومن يفرضها على أنها المنهج الصحيح للمسلمين كمن يفرض نفسه هذه الأيام حاكما ، من غير إرادة شعبه .

لقد شكا الإمام ابن القيم رحمه الله من جمود فقهاء زمنه ، وحمّل ابن القيم الفقهاء الجامدين تبعة انحراف الأمراء والحكام ، وشرودهم عن منهج الشريعة السمحة .

وما زال لهؤلاء الجامدين من أهل الفقه أخلاف في عصرنا هذا، يعيشون في القرن الخامس عشر الهجري ، ولكنهم يفكرون بعقول علماء ماتوا من قرون ، وقد تغير كل شيء تقريباً في الحياة عما كان عليه الحال في عهود أولئك العلماء .

رأينا هؤلاء يخرجون على إجماع الأمة الثابت طوال تاريخها حيث آمنت بأن الإسلام عقيدة وشريعة ، ودين ودولة ، وعبادة وقيادة ، وصلاة وجهاد ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول رئيس لدولة الإسلام .

باعتقادي ان المشكلة التي دفعتهم إلى هذا السلوك ، والوقوف ضد من يطالب بالحقوق المشروعة التي كفلها الإسلام ، وبالطرق السلمية التي كفلتها قوانين الحكام الذين يناصرونهم ، هو عدم امتلاكهم تصور حقيقي لخصائص الحكم الرشيد الذي تُبنى عليه الدولة المدنية المسلمة .

منذ أن انتهت الخلافة الراشدة بمقتل الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، انتهى مشروع الحكم الإٍسلامي العادل ، الذي يقوم على أساس تبادل السلطة ، وتساوي أفراد الدولة جميعاً ، فلا فرق بين ابيض على اسود إلا بالتقوى ، وتحول مشروع الحكم إلى مشروع فردي ، في ظل نظام ملكي يقوم على الحكم الفرد وتوريث السلطة ، وترسيخ التبعية والولاء المطلق ، وتجريم المخالف ، فانتهى النظام الشوروي القائم على الاختيار الاكفئ والأجدر للقيام بمهمة هي في النهاية مغرم وليس بمغنم ، بل وأمانة يحاسب من يتهاون بها أو يخونها ، وهو في النهاية وكيل عن الأمة ، بل أجير عندها ، فلها عليه ولاية الموكِّل على الوكيل ، والمستأجر على الأجير .

لقد استطاع ذلك الحكم ، وبقربه من العهد النبوي أن يقمع كل من يخالفه ، بطمس معالم الحكم الإسلامي الرشيد ، واستبعاد التصور الحقيقي للحكم ومواصفات الحاكم ، والتركيز على طاعته وعدم الخروج عليه ، بوضع الأحاديث ودسها في ذيول الأحاديث الصحيحة حتى يبدوا للمستمع من أول وهلة أنها من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم يجب الأخذ بها لتحقيق طاعة النبي صلى الله عليه وسلم والاستنان بسنته .

ثم إن طبيعة الإسلام باعتباره منهجاً يريد أن يسود ويقود ويُوجِّه الحياة ، ويحكم المجتمع ، ويضبط سير البشر وفق أوامر الله ، لا يُظن به أن يكتفي بالخطابة والتذكير والموعظة الحسنة كما هو ديدن الكثير من المشايخ في هذا الزمان ، ولا أن يدع أحكامه ووصاياه وتعليماته في شتَّى المجالات إلى ضمائر الأفراد وحدها ، فإذا سقمت هذه الضمائر أو ماتت سقمت معها وماتت تلك الأحكام .

لذا لا سبيل إلى إصلاح ذلك الحاكم الظالم الجائر إلا بالتغيير ، لا كما يدعي بعض المشايخ الفضلاء ، الذين لا يعرفون من السياسة إلا اسمها إبقائه ومن ثم إصلاحه ، فإن قوماً فقدوا الإسلام في أنفسهم وشؤونهم الخاصة والعامة لأعجز من أن يفيضوه على غيرهم ، ويتقدموا بدعوة سواهم إليه ، وفاقد الشيء لا يعطيه .

لقد أثبتت التجارب عجزهم المطلق عن تطبيقه ، والأخذ به ، وجعله منهجاً لحكمهم وسياستهم ، بل هم العكس من ذلك يفرون منه إلى ما سواه ، ويأتي دور الشباب ، أصحاب لعقول النيرة ، والقلوب التواقة إلى الإصلاح والتغيير ، البعيدين كل البعد عن أحقاد الماضي ومشكلاته ، فيجب تنويرهم بجلال الإسلام وروعة القرآن ، وبالدولة المدنية ، والحكم الذي يشترك فيه الجميع حتى نصل جميعاً إلى ما نصبوا إليه ونؤمله .

ان ذلك الحاكم الذي ننشده ينظر إلى الإسلام بعين ، وإلى العصر بعين ، ويجمع بين القديم النافع والجديد الصالح ، ويوازن بين الثوابت والمتغيرات ، ويدعو إلى احترام العقل ، وتجديد الفكر ، والاجتهاد في الدين ، والابتكار في الدنيا ، ويقتبس من أنظمة العصر أفضل ما فيها .

لقد خرج الفكر السلفي الموجه من سياسة الحكم ، وأصبح يعيش تبع للحاكم الظالم الدكتاتور ، ويدور معه حيثما وجد ، بل ويكون الواجهة لتلك الأنظمة الفاشية لإضفاء الشرعية عليها ، وتثبيتها في كثير من البلدان العربية والإسلامية ، وابتعد عن تطبيق الإسلام في واقع الحياة ، والعيش معه في عالم الأحلام .

وعلى بعد تلك المدة من زمن الخلافة الراشدة ، إلا أن المسلمين ما زالوا يراوحون مكانهم ، ولذا يخسر العالم الكثير بسبب هذا الفكر القاصر الذي يدعي الأحقية بل والحصر لمفهوم الإسلام ، وان كل ما سواه باطل من كل الوجوه . حتى وصل بنا الأمر إلى هذا الانحطاط المخزي ؟

أن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بقوة في الوقت الحاضر هو ماذا يستفيد العالم ويجنيه من الفوائد بتقدم المسلمين ؟ وماذا يخسر بتخلفهم في الفكر والسياسة والاقتصاد وفي القوة وغيرها ؟

ان الخضوع والاستكانة للأحوال القاصرة ، والأوضاع القاهرة ، والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام ، أما المؤمن القوي فهو بنفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد .

ما أحوج المسلمين اليوم إلى من يرد عليهم إيمانهم بأنفسهم وثقتهم بماضيهم ، ورجاءهم في مستقبلهم ، لا من يمرق وجوههم في التراب بسبب تلك المقالات القاصرة ، وما أحوجهم لمن يرد عليهم إيمانهم بهذا الدين الذي يحملون اسمه ، ويجهلون كهنه ، وبالوراثة أكثر مما يتخذونه بالمعرفة .

الكثير من يتصور السلفية بأنها ليست حزباً ، ولكنها منهج دين وحياة ، وإنها تنظيم الدنيا بالدين ، ولكن الواقع خلاف ذلك ، فلم نرى التنظيم والترتيب للدين في واقع الحياة ، مما نسمعه من الآراء والنظريات ، وإنما هي عبارة عن شعارات يتغنى بها الكثير ، عن حسن نية وبغير قصد ، لا تلامس واقع الحياة ، بل تزيده تعقيداً ولا تقدم حلولا واقعية لكثير من المشكلات .

إذاً هناك انفصام بين النظرية والتطبيق في الفكر السلفي الموجه، بل يحاول أن يقصي جميع من حوله ليدور في فلك الوحدانية المطلقة في عصر التعدد والتنوع ، والرأي والرأي الآخر .

ان الإنسانية تشقى بتحول الحكم والسلطان والرفاهية والنعيم من فرد إلى آخر من جنسه ، ومن جماعة إلى جماعة أخرى مثلها في الجور والاستبداد ، وحكم الإنسان للإنسان ، وتأتي سنة الله القاهرة التي لا تقف في طريقها أقوى الترسانات والاحتياطات والإمكانات ، سنة التغيير ، يقول تعالى : (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ، فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) بل إن كثراً من هؤلاء الحكام والسلاطين تحولوا إلى ويل وبلاء ودمار لذلك النوع الإنساني ، فلا بد من منع الفساد والمرض في جسم المجتمع البشري ، الذي يسري منه السم في أعصابه وعروقه ، ويتعدى المرض إلى الجسم السليم ، فكان لا بد من عملية جراحية ، فكان قطع هذا الجسم السقيم وإبعاده من الجسم السليم مظهراً كبيراً لربوبية رب العالمين ورحمته ، ويستوجب الحمد والامتنان من جميع أعضاء الأسرة الإنسانية ، بل من جميع أفراد الكون : (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

ولأسف كان انسحاب العلماء والمصلحون من ميدان الحياة ، واتجاههم إلى الخلوات ، فراراً بدينهم من الفتن كما يدعون ، أو رغبة إلى الدعة والهدوء ، وفراراً من تكاليف الحياة وجدها ، أو إخفاقاً في كفاح الدين والسياسة والروح والمادة ، ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا ، وعاونهم على إثمهم وعدوانهم ، واكل أموال الناس بالباطل ، فأصبح الدين فريسة العابثين والمتلاعبين ، ولعبة المحرفين والمنافقين ، حتى فقدت روحها وشكلها .

وأصبحت مهود الحضارة والثقافة والحكم والسياسة ، مسرح الفوضى والانحلال والاختلال ، وسوء النظام ، وعسف الحكام ، ولا تحمل للعالم رسالة ولا للأمم دعوة ، وأفلست في معنوياتها ، ونضب معين حياتها ، لا تملك مشروعاً صافياً للحكم من الدين السماوي ، وألا نظاماً ثابتاً من الحكم البشري .

بعض الكلمات منتقاة من كتابات بعض العلماء بتصرف .

04‏/04‏/2011

القضية الجنوبية بين الوحدة المعمدة بالدم وثورة الشباب



الوحدة المعمدة بالدم كلمات طالما سمعناها من الرئيس علي صالح وهو يتفاخر بأنها إحدى منجزاته التي حققها في ظل حكومة الوحدة الرشيد وقيادته العبقرية من وجهة نظره .
لم يتساءل أصحابه ومَن حوله وهو يصفقون له بقوة ، لماذا عمد القائد الرمز ذلك الإنجاز بالدم ، أهان سفك دم الشريك ، بينما دم الأخ والقريب أصبح من السبع الموبقات في هذه الأيام ، أما الإعلام الرسمي فقد جعلها (الوحدة المعمدة بالدم ) شعاراً لواجهات برامجه في كثير من المناسبات الرسمية ، وعلى وسائله المختلفة ، ولا ننسى علم الوحدة وهو يرفع من على تراب عدن الحرة ، والجميع حوله يحفونه بالابتسامات الجميلة ، وبأمل المستقبل المشرق ، إلا أن تلك الابتسامات غُيبت عندما طمسها الإعلام الرسمي بعد الحرب الهمجية في صيف 94م ، عندما استبيحت البلاد ، وانتهكت فيها الحقوق وسلبت فيها الحريات .
لقد حرص الإعلام الرسمي بكل وسائله على تزوير وتشويه الحقائق ، ولم يكتفي بذلك بل عمد على مسخ وتضليل المجتمع بأسره ، وأصبح أسيراً لذلك الفكر النازي ، الذي لا يعكس بأي حال من الأحوال صوت الناس من حوله ، كما يفعل هذه الأيام مع شباب الثورة في جميع محافظات اليمن .
لقد كرس الإعلام الرسمي بكل وسائله صورة ذلك القائد الرمز وهو يرفع العلم الوحدوي ، وقد غيب الشركاء من حوله ، حتى تناسى الكثير من الناس أن الوحدة هي اتفاق بين شطرين أصبحت بموجب ذلك الاتفاق دولة واحدة ، لا من صنع شخص واحد ، إلا أن يكون عن طريق الإكراه أو القوة . لقد اخُتزلت الوحدة بشخص الرئيس القائد ، كما اختزلت كثير من الدول العربية مثل ليبيا بصورة القائد الفاتح ، ولا اعتقد انه خداع للنظر بل حقيقة بكل المقاييس .
فهل شباب الثورة عندما ينتصرون على القائد الرمز يتركون صورته ترفرف عالياً على العلم الوحدوي ؟ أم أنهم يجعلون ذلك العلم يسلك الاتجاه الصحيح في طريق تحقيق الوحدة الحقيقية التي كان يحلم بها كل أبناء اليمن ؟ هل سيتم إسقاط صورة القائد الرمز كما اَسقَط هو شُركائه أثناء حكمه ؟
وصدق من قال : من حفر حفرة لأخيه وقع فيها ، وبنفس ألكاس الذي سقيت فيه غيرك ، ستُسقى منه ، والجزاء من جنس العمل .
ويأتي المشهد الفاصل الذي صوره القرآن في قوله تعالى : ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) عندها يتساءل الكثير ، هل سيظل علم الوحدة يرفرف بدون صانعيه ؟ هل ستظل الوحدة المعمدة بالدم المنتهية الصلاحية سارية المفعول بعد رحيل موئسها الأوحد كما يحلو للبعض تسميته ؟ أم أنها ستنتهي بانتهاء صاحبها ؟
ويأتي الدور على شباب الثورة ويصبحون أمام الواقع ، والامتحان الحقيقي ، فهل سيعيدون صياغة الوحدة من جديد ؟ أم سيمارسون نفس أسلوب القائد الرمز ، في الإقصاء وعدم الاعتراف بان القضية الجنوبية قضية سياسية وليست حقوقية كما يعتقد الكثير ، أم يستمر العلم الوحدوي يرفرف بشخصيات جديدة ، ونتمنى أن لا يعمدوه بالدم كذلك .
ان القضية الجنوبية لا يلغيها شعار أبنائها وهم يرددون شعار الشعب يريد إسقاط النظام ، لان هذا الشعار كان مرفوعا منذ زمن طويل ، وقد قدم الجنوبيون العشرات من الشهداء ، والآلف الجرحى من أجل الوصول إلى هذه اللحظة التاريخية ، ولم يكن الشهر أو الشهرين هو عمر النضال السلمي للثورة ، وإذا اعتقد شباب الثورة أن القضية الجنوبية قد سقطت بترديد ذلك الشعار ، عندها نصبح كما قال المثل الشعبي ديمة قلبنا بابها .
ان شباب الثورة في المحافظات الشمالية إن لم يتداركوا خطورة الموقف بخصوص القضية الجنوبية ، والاعتراف بأنها قضية سياسة عادلة ، وقضية اليمن المحورية ، وأهم قضية على الخارطة السياسية في اليمن بعد الثورة ، لا أقول أنهم سيقعون بشباك الماضي الأسود ، بل أخشى عليهم من تلك الشباك .
وكما قال الدكتور عيدروس النقيب في أحد مقالاته ، ان القضية الجنوبية هي قضية دولة دُمرت وأرض نُهبت ، وحقوق صُودرت ، ومشاركة وطنية وئدت ، وتاريخ يزور ، وهوية تمسخ ، ودماء تسفك ، وأرواح تزهق .
القضية الجنوبية هي قضية حية لأنها قضية تاريخ وحقوق ، وهوية وانتماء وإرادة ، وهي على كل حال جزء جوهري من القضية اليمنية الكبرى ومدخل لها .
، ولا يخشى مناصروها تهمة الانفصال التي دائما تقترن بكل من يتحدث عن القضية الجنوبية ، والتي ظلت السلطة ومخابراتها ، وأجهزة إعلامها ترددها ضد الناشطين السياسيين السلميين من أنصار القضية الجنوبية .
ويقول أحد الكتاب في مطلع حديثه عن القضية الجنوبية ، ان الاعتقاد الخاطئ بأن القضية الجنوبية هي نتاج طبيعية لحرب 1994م ، لا يساعد على حلها بإزالة آثار 94م ، هذه الحرب التي تعد بحد ذاتها نتيجة لفشل الوحدة ، أو سياسة السيطرة على الوحدة من قبل القائد الرمز .
ان الظروف التي أحاطت بسرعة إعلان قيام الوحدة دون سابق إعداد وتحضير مكتمل لها ، وما رافق مرجعيتها السياسية والقانونية من أخطاء وتشوهات ونوقض كبيرة ، وما أعقبها من سياسات خاطئة أوصلت الوحدة إلى طريق مسدود ، وإلى ما نحن عليه اليوم ، من الظلم والقهر والاضطهاد .
جاء حرب 94م لاستبعاد الجنوب ليس من شراكة الدولة فحسب بل جرى استبعاده من شراكة السلطة ليخرج الجنوب بالكامل من المعادلة السياسية ، وظهور إفرازاته في الوحدة المعمدة بالدم وعودة الفرع إلى الأصل وغيرها من الأقاويل .
ان حرب 94م لم تكن تستهدف الحزب الاشتراكي وإقصائه من السلطة وإخراجه من مسرح الحياة السياسية فحسب ، بل استهدفت الجنوب الأرض والثروة ، وتهميش وتجهيل وإقصاء الإنسان .
ان قيام دولة الوحدة الحديثة تمثل هدفا رئيساً لجميع القوى السياسية والفئات الاجتماعية حاملة المشروع النهضوي الحديث ، فهل وصل أبناء اليمن إلى الوعي الحقيقي لبناء دولة الشراكة والمواطنة المتساوية ، لا دولة الزعيم القائد الرمز ؟
وتبقى القضية الجنوبية رمزا للنضال السلمي في العامل العربي اجمع .

24‏/03‏/2011

نـــداء إلى شـبـاب الـثـورة الـيـمـنـيـة في المحافظات الـجـنـوبية .


في البداية أحب أن أذكر شباب الثورة في المناطق الجنوبية بقوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) ، لان التنازع يؤدي إلى الاختلاف والاختلاف يؤدي إلى الفشل والفرقة ، عندها يخسر الجميع ، فلا تتنازعوا أيه الشباب ، فعليكم بالاجتماع فهو مصدر العزة والقوة ونيل الحقوق والمطالب ، ولذا أحب أن أوجه إليكم بعض النصائح من قلب محب ومخلص :

1 –يجب على الشباب حالاً أن يقوموا بتكوين قيادات شبابية في جميع المحافظات واخص بالذكر محافظة عدن لأهميتها وموقعها الحيوي ، ولما يراد لها من مخططات مختلفة ، من نهب وسلب ، وإثارة للفوضى والاقتتال ، والتصفيات وتشويه روح التصالح والتسامح ، وغيرها من الأمور ، لذا يجب على الشباب أن يكونوا في موقع المسئولية ، وأن يتحلى الجميع بالحكمة والشجاعة والصبر ، وأن لا يختلفوا ، بل يكونوا يد واحدة في هذه اللحظات ، وان كان لديهم أفكار مختلفة ، وأن يتعلّموا من اللقاء المشترك ، كيف يجتمع الفرقاء على أهداف محددة .

2 – أن يوحدوا المطالب التي ينادون بها ، ويكتبوها ويعمموها على جميع قيادات الشباب في المحافظات الجنوبية ، ليتم الاتفاق عليها ، ومن ثم تتكون هيئة عليا للمطالبة بالحقوق الجنوبية يقودها الشباب .

3 – ان نقلّب مصلحة اليمن على مصالحنا الخاصة ، وأن نكون على مستوى عالٍ من المصداقية والنزاهة والخلق ، حتى نكون قدوة لغيرنا ، ونعكس حضارة وأصالة ما نعبر عنه ، ونطالب من اجل تحقيقه .

4 – أن لا ينزلق الشباب إلى العنف والفوضى مهما كان الثمن ، حتى لا يعطوا الفرصه لغيرهم ، للنيل من مطالبهم المشروعة التي ينادون بها منذ فترة طويلة ، وتكون تحركاتهم سلمية ، معمدة بالحب والحوار ، لا بالدم كما يراد لذلك ، وانه لا سبيل إلى نيل المطالب والحقوق إلا بالطرق السلمية .

5 – التواصل مع الشباب في جميع محافظات اليمن حتى تكون هناك لحمة واحدة لإسقاط النظام ، ومن ثم نعرف أنه لا خلاص لليمن إلا في ضل حكم تشترك فيه جميع الأفكار والأحزاب والتيارات في ظل الدولة الواحدة .

6 – الإخلاص والصدق في القول والعمل ، وأن تكونوا أرقى من غيركم في التعامل والحوار ، وفي نصرة المظلوم ، وأن لا تتعدوا على أشخاص أو ممتلكات بغير حق ، و يكون القضاء الحر النزيه في ظل الدولة المدنية هو الفاصل والحكم في كل المنازعات الخاصة .

7 – يجب على الشباب أن يطالبوا بدولة مدنية عادلة ، تساوي بين رعيتها ، وتأخذ للضعيف من القوي ، وتحرس للناس أخلاقهم كما تحرس لهم بيوتهم وأموالهم ، وتحفظ عليهم دماءهم وأعراضهم ، وأن ترد لهم ما سلب منهم في الماضي ، حتى تتحق الوحدة بحقيقتها ، فتكون حكومة خيارهم حكامهم ، وأزهدهم في لعيش أملكهم لأسبابه وأقدرهم عليه ، من هذه الحكومة التي تسابق أهلها في أكل أموال الناس بالباطل ، وهتك الأعراض ، وسفك الدماء .

8 - الصبر ثم الصبر والثبات على المواقف حتى تحقيق الأهداف والتطلعات ، في ظل البلد الواحد .

9 – عدم الإساءة إلى احد ، بل نتعلم الحوار والديمقراطية وحرية الرأي والرأي الآخر ، وأن الرأي قد يحتمل الخطأ والصواب في تقديرات البشر مهما كان ذلك الرأي .

10 – أخيراً : أوصي إخواني وزملائي الشباب أن يعبروا عن تطلعات الجميع ، وأن لا يختزلوا ثورتهم في مصالح ضيقة شخصية ، بل يكونوا صوت للجميع .

هذه بعض النصائح التي أردت أن أوصلها إليكم ، لأنني اشعر بالمسئولية حيال هذه الأحداث التي تعصف ببلدي السعيد ، واسأل الله أن يجنب بلادنا كل الفتن ، وأن يعيدها سعيدة موحدة يفتخر بها العالم اجمع .

16‏/03‏/2011

استغلال المعراضين للثورة بعض الاحاديث الضعيفة .

ألا بعداً لمبارك ، وبعداً لزين العابدين ، وبعداً للمتشدقين المحرفين لشريعة رب العالمين .
يعتقد الكثير من العلماء وأدعياء السلفية المعاصرة ، وغيرهم من المنتسبين إلى السلف زوراً وبهتاناً ، أن حكام الدول العربية المعاصرين هم الخلفاء المهديين ، وأئمة المسلمين ، وأنه يجب على أفراد تلك المجتمعات الرضا بما يلحق بهم من قبل ولي أمرهم ، ولو كان اشد أنواع الظلم ، وعدم المطالبة بحقوقهم ، ويعدون من ينادي بالحقوق المشروعة للأفراد والمجتمعات التي كفلتها الشريعة الإسلامية ، والأنظمة الوضعية ، خارجاً عن جماعة المسلمين ، ، ويثير الفوضى والفساد في ربوع البلاد ، ويستدلون ببعض الأحاديث التي تؤيد أسيادهم ، ويتناسون اقلب الآيات والأحاديث التي تحث المسلم أن يكون أنموذجاً فذاً شجاعاً ، يتسامى إلى أعلى المراتب ، ولذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمن القوي وقال فيه : ( المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف )، وان تقويم الحاكم والأخذ بيده لمن أعظم الجهاد في سبيل الله كما قال صلى الله عليه وسلم : (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) ولقد ترك لنا السلف أروع الأساليب في المعاملة ، ولذا كان السلف الصالح يتمثلون تلك الأخلاق العالية تجاه المطالبين بحقوقهم ، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان بينه وبين رجل كلام في شيء ، فقال له الرجل : اتق الله يا أمير المؤمنين ، فقال له رجل من القوم : أتقول لأمير المؤمنين اتق الله، فقال له عمر - رضوان الله عليه - : دعه فليقلها لي ، نعم ما قال ، ثم قال عمر : لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم .
وتمثلها كذلك برفع الظلم عن المظلوم عندما جاءه ذلك القبطي ( النصراني ) يشتكي والي مصر عمرو بن العاص ، فأرسل إلى عمرو بن العاص إلى مصر وجاءه إلى المدينة ، وتخيل تلك المسافة التي قطعها حتى يصل إلى المدينة ، فقال للقبطي اضرب ابن الأكرمين ، وقال لعمرو بن العاص المقولة المشهورة : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ) لم يقل رضي الله عنه لذلك النصراني اصبر واحتسب وان اخذ مالك وضرب ظهرك .
ان الكثير من علماء السلطان ، الذين جعلوا مصالحهم الضيقة مقابل الحقيقة البينة ، يستدلون ببعض الزيادات الضعيفة لبعض الأحاديث الصحيحة ، فيخلطون الحق بالباطل ، ويقولون أنها جاءت في صحيح مسلم ونحوه ، ومنها الزيادة التي جاءت في حديث حذيفة المتفق على صحته ، فقد جاء الحديث في البخاري بهذا النص : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيُّ ، أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ، يَقُولُ : كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ، قَالَ : نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ، قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ، قُلْتُ : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا ، فَقَالَ : هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ، قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ، قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ ؟ قَالَ : فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) (1) .
وجاء في صحيح مسلم ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنِى بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىَّ يَقُولُ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِى فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِى جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ « نَعَمْ » فَقُلْتُ هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ « نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ». قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ « قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِى وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِى تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ». فَقُلْتُ هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ « نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ « نَعَمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ قَالَ « تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ». فَقُلْتُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ قَالَ « فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ » (2) .
وجاء في حديث ثاني في صحيح مسلم بزيادة ضعيفة كما في الحديث التالي : وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ التَّمِيمِىُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ أَخْبَرَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلاَّمٍ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ سَلاَّمٍ عَنْ أَبِى سَلاَّمٍ قَالَ قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ نَعَمْ. قُلْتُ هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ قَالَ « نَعَمْ ». قُلْتُ فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ « نَعَمْ ». قُلْتُ كَيْفَ قَالَ « يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَاىَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِى وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ ». قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ « تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ »(3).
« تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ».
النَّصُّ الذي يستـــشهد به هؤلاء زيادة ضعيفة منكرة على متن حديث صحيح مشهور متفق على صحته رواه الشيخان عن حذيفة رضي الله عنه كما تقدم ، ثــــمَّ إنَّ مسلماً رحمه الله رواه مرة ثانية بعد سوقه النَّصَّ الصحيح بهذه الزيادة ، عن أبي سلاَّم قال : قال حــذيفة ... وفيـــه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ... تسمع وتطيع للأمير ، وإن ضُرب ظهرك ، وأُخذ مالك فاسمع وأطع " قال النووي رحمه الله : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَذَا عِنْدِي مُرْسَل ؛ لِأَنَّ أَبَا سَلَّامٍ لَمْ يَسْمَع حُذَيْفَة ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، لَكِنَّ الْمَتْن صَحِيح مُتَّصِل بِالطَّرِيقِ الْأَوَّل ، وَإِنَّمَا أَتَى مُسْلِم بِهَذَا مُتَتَابِعَة كَمَا تَرَى ؛ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول وَغَيْرهَا أَنَّ الْحَدِيث الْمُرْسَل إِذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيق آخَر مُتَّصِلًا تَبَيَّنَّا بِهِ صِحَّة الْمُرْسَل ، وَجَازَ الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَيَصِير فِي الْمَسْأَلَة حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ. أهـ . وليس الأمر كما قال رحمه الله فقد فاتته دقيقة من دقائق علم الحديث نبَّه إليها المحققون من علماء الحديث ، وكثيراً ما كان الشيخ الألباني رحمه الله ينبه إليها، وهي أنَّ الطريق الذي فيه ضعف يسير (كالإرسال مثلاً) إذا روي من طريق آخر صحيح تبينا صحة المرسل شرط ألا تكون فيه زيادة تضيف حكماً .. نعم أصل الحديث ثابت لكن هذه الزيادة لا تصح لأنها جاءت بسند منقطع (4) .
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب : أرسل عن حذيفة وأبي ذر وغيرهما (5) .
وقال الحافظ العلائي في جامع التحصيل: ممطور أبو سلام الحبشي عن حذيفة وأبي مالك الأشعري وذلك في صحيح مسلم ، وقال الدارقطني : لم يسمع منهما (6) .
قال ذلك في سياق ذكر الرواة المحكوم على روايتهم بالإرسال عن ذلك الشيخ المعين أما على الإطلاق أو في حديث مخصوص حسبما أمكن الوصول إليه ، إلى آخر كلامه رحمه الله .
ويقول الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله ، وهذا وفي حديث حذيفة زيادة ليست في حديث حذيفة المتفق عليه وهي قوله : ( وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك ) فهذه الزيادة ضعيفة لأنها من هذه الطريق المنقطعة (7)
وهذا الطريق أتى به مسلم رحمه الله متابعة كما قال النووي رحمه الله ، لكنه أتى به ليبين علته فقد صرح في أول صحيحه أنه سيذكر بعض الأحاديث ليبين علتها ، وهذا منها ، إذ يبعد أن يغيب عن مسلم رحمه الله أن أبا سلام لم يسمع حذيفة رضي الله عنه ، وقد روى الحديث أيضاً أبو داود وأحمد عن سبيع بن خالد وهو كما ذكر ابن حجر رحمه الله مقبول ، يعني عندما يتابع ، ولا متابع له في هذه الزيادة .
أما أنَّ هذه الزيادة منكرة فلأنها تخالف الشريعة التي جاءت لرفع الظلم عن الناس ، ولتبعث حياة العزة والرفعة في الخلق .
الشريعة التي تُعلِّـــق فساد الأمم على وجود الظلم ، وتضع المظلوم الراضي بالظلم في مرتبة الظالم الممارس له ، قال الله تعالى : (وإذ يتحاجون في النار ، فيقول الضعفاء للذين استكبروا : إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار ؟ قال الذين استكبروا : إنا كل فيها ، إن الله قد حكم بين العباد) . هذه الشريعة سمت المستضعفين الذين لا يتحركون ضد الظلم ظالمين ، ولم تــقبل أعذارهم ، فقال الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ، قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا، فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) ، هل يعقل أن تقول الشريعة هذا ، ورسولها يقول : ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه ، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ) . والنصوص في هذا كثيرة ، فالشريعة في نصوصها ومقاصدها تحث على رفض الظلم ، وتأبى أن يسكت الناس عن الظالمين . فهل يعقل أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلم أن يتسامح في أكل ماله ، وجلد ظهره ؟! هذا من عجائب المسلمين الذين سوغوا السكوت عن الظلم ، وحولوه إلى صياغة شرعية .
أين هذا من كلام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما للناس عندما بويعا للخلافة ، حيث يأمران الناس بأن يقوموهما بالسيف إذا رأوا منهم اعوجاجا ... هل يعقل يكون منهج الصحابة نزع يد الطاعة على من أجل ذراع قماش ، أعني هذا الذي قال لعمر رضي الله عنه : لا سمع ولا طاعة من أجل ثوب كما في القصة المعروفة ، ولم يقل له أحد من الصحابة : ويحك أمن اجل ثوب ؟! بل عليك أن تسمع وتطيع .. ولم يقل له عمر رضي الله عنه : بل تسمع وتطيع رغمــاً عنك .
ان كتمان الحقيقة وتزويرها ، وتشويه الحق وقمعه ، ونشر الظلم وتقنينه ، والاستعانة بأصحاب العمائم المختلفة لإصباغه بالشرعية، الذين يرهبون الناس ويخوفونهم مما قد يقدموا عليه من مطالبتهم بحقوقهم ، ويمارسون الإرهاب الفكري ضد أولائك، حتى ترى الكثير منهم بقصد وبغير قصد يصورون أن الإقدام على المطالبة بالحقوق ، وعدم الرضا بالظلم من الخروج عن الشريعة ، الذي يعقب صاحبها العذاب الأليم في الدنيا والآخرة ،وان هذه من منطلقات الخوارج التي تريد نشر الفوضى والخروج على الحاكم .
ألا بعداً لمبارك ، وبعداً لزين العابدين ، وبعداً للمتشدقين المحرفين لشريعة رب العالمين .

1 - صحيح البخاري – حسب ترقيم فتح الباري – ج4/ص242 – رقم 3606 .
2 - صحيح مسلم ج6 / ص20 – رقم 4890 .
3 - صحيح مسلم ج6 / ص20 – رقم 4891 .
4 - المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي - دار إحياء التراث العربي – بيروت - الطبعة الثانية ، 1392هـ -عدد الأجزاء : 18 – ج6/ص321 .
5 - تهذيب التهذيب – ابن حجر العسقلاني – ج10 / ص263 .
6 - جامع التحصيل في أحكام المراسيل - أبو سعيد بن خليل بن كيكلدي أبو سعيد العلائي - تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي عالم الكتب – بيروت - الطبعة الثانية 1407 – 1986 – ص286 .
7 - الالتزامات والتتبع – للدارقطني – دراسة وتحقيق الشيخ / مقبل بن هادي الوادعي – دار الكتب العلمية ، بيروت – لبنان – الطبعة الثانية ، 1405هـ - 1985م - ص181 – 182 .

تضحية شباب العرب طريق إلى سعادة شعوبهم العربية


بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم وقد بلغت شقاوة الإنسانية غاية ما وراءها غاية ، وعلم الله عند بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن الروم والفرس والأمم المتحضرة المترفة لن تتعرض للخطر ، وتتحمل المتاعب والمصاعب في سبيل خدمة الإنسانية البائسة ، وأنها لا تتنازل عن حظوظها ولذاتها وزخارفها فضلاً عن حاجاتها ، وأنه لا يوجد فيها أفراد يقوون على قهر شهواتهم ، والحد من أطماعهم ، والزهد في فضول الحياة ومطامع الدنيا .
لقد اختار الله لرسالته امة تضطلع بأعباء الناس ، وتقوى على التضحية والإيثار ، من أجل صلاح الإنسانية أجمع .
لقد جاء وفد قريش وعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما يغري من المال والجاه والرئاسة والملك ، وكلمه عمه وحاول أن يحد من نشاطه لكنه أبى عليه الصلاة والسلام إلا المضي في سبيل إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، من الخضوع للبشر إلى الخضوع لرب البشر ، ومن الذل والمهانة إلى العزة والكرامة .
كان أسوة الناس في عصره ، وبعد عصره بقيامه بكل صنوف الخلق الرفيع من الزهد والإيثار والقناعة وشظف العيش ، وتعدى ذلك إلى أسرته وأهل بيته ، فكان أكثر الناس اتصالاً به وأقربهم إليه أقلهم حظاً في الحياة ، وأعظمهم نصيباً في التضحية والإيثار ، فإذا أراد أن يحّرم شيئاً بدأ ذلك بعشيرته وبيته ، وإذا سن حقاً أو فتح باباً لمنفعة قدم الآخرين وربما حرّمه على عشيرته الأقربين .
لقد أراد أن يحرم الربا فبدأ بربا عمه العباس بن عبد المطلب فوضعه كله ، وأراد أن يهدم دماء الجاهلية فبدأ بدم ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب فأبطله ، وسن الزكاة وهي منفعة مالية عظيمة مستمرة فحرمها على عشيرته بني هاشم إلى آخر الدهر ، وكلمه علي بن أبي طالب يوم الفتح أن يجمع لبني هاشم الحجامة مع السقاية فأبى ، وطلب ذلك عثمان بن طلحه وناوله مفتاح الكعبة ، وحمل أزواجه على الزهد والقناعة وشظف العيش ، وخيرهن بين عشرتهن مع الفقر وضيق العيش ، أو مفارقته لهن ، مع سعة الرزق والعيش ، وهكذا كان شانه مع أهل بيته المتصلين به فالأقرب ثم الأقرب ، ومع أصحابه من بعده ، لأن سعادة البشرية إنما كانت تتوقف على ما يقدمونه من تضحية وإيثار ، وما يتحملون من خسائر ونكبات في سبيل سعادة الشعوب اجمع .
لقد كان إحجام العرب عن هذه المكرمة وترددهم في ذلك في عصرنا الحاضر ، كان امتداداً لشقاء الإنسانية واستمراراً للأوضاع السيئة في العالم قال تعالى : (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) .
إن العالم لا يسعد وخيرة الشباب في العواصم العربية عاكفون على شهواتهم ، تدور حياتهم حول المادة ، والمعدة ، لا يفكرون في غيرها ، ولا يترفعون عنها ، لقد كان شباب بعض الأمم الجاهلية الذين ضحوا بمستقبلهم في سبيل المبادئ التي اعتنقوها أكبر منهم نفعاً ، وأوسع منهم فكراً .
لقد أتى على العالم العربي عهدا ، أصبحت الحياة فيه تدور حول فرد وأحد ، وهو شخص الملك أو الرئيس ، وحول حفنة من الرجال وهم الوزراء وأبناء الملوك والرؤساء ، وأصبحت البلاد ملكاً شخصياً لذلك الفرد السعيد ، والشعوب كلها فوجاً من الخدم والعبيد ، يتحكم في أموالهم وأملاكهم ونفوسهم وأعراضهم ، عندها أصبحت الشعوب هزيلة لا شخصية لها ولا كرامة ، وأصبح هذا الفرد هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة .
إن هذا العهد غير قابل للبقاء والاستمرار في أي مكان وفي أي زمان ، ولا سبيل إليه إلا إذا كانت الأمة مغلوبة على أمرها أو مصابة في عقلها ، أو فاقدة الوعي والشعور ، أو ميتة النفس والروح .
إن هذا الوضع لا يقره عقل ، ومن يسوّغ أن يتخم فرداً أو بضعة أفراد بأنواع من الخيرات ، وتموت الشعوب جوعاً ومسغبة .
من الذي يسوغ أن يعبث أفراداً بالمال عبث المجانين ، والناس لا يجدون من القوت ما يقيم صلبهم .
إن هذا العهد يتهاوى ، لقد بقي مدة طويلة فقد كان ذلك على غفلة من الشعوب أو على الرغم منها ، ولكنه خليق بأن ينهار ، ويتداعى كلما أشرقت شمس الحرية ، واستيقظ الوعي لدى الشعوب ، وهبت تحاسب نفسها وأفرادها ، كما حدث في تونس ومصر ، والحبل على الجرار .
إن أخوف ما يخاف على الشعوب ، ويعرضها لكل خطر ، ويجعلها فريسة للمنافقين ، ولعبة العابثين هو فقدان الوعي ، وافتتانها بكل دعوة ، واندفاعها إلى كل موجة ، وخضوعها لكل متسلط ، وتصبح لا تميز بين الصديق والعدو ، وبين الناصح والغاش ، وأن تلدغ بجحر مرة بعد مرة ، ولا تنصحها الحوادث والأيام ، ولا تروعها التجارب ، ولا تزال تولي قيادها من جربت عليه الغش والخديعة والخيانة والأنانية والجبُن والعجز ، وكان سبباً للهزيمة والذلّة ، ولا تزال تضع ثقتها فيه ، وتنسى سريعاً ما لاقت على يده من الخسائر والنكسات ، سريعة النسيان لماضي الزعماء والقادة ، وهي ضعيفة في الوعي الديني والاجتماعي والسياسي ، وذلك ما جر عليها ويلاً عظيماً وشقاءً كبيراً ، وسلط عليها القيادة الزائفة المخادعة .
إن الأمم الأوربية برغم إفلاسها في الروح والأخلاق ، لكنها قوية الوعي المدني والسياسي ، وأصبحت تعرف نفعها من ضررها ، وتميز بين الناصح والمخادع ، وبين المخلص والمنافق ، وبين الكفؤ والعاجز ، فلا تولي قيادها إلا الأكفاء والأقوياء والأمناء ، ثم توليهم أمورها على حذر ، فإذا رأت منهم عجزاً أو خيانة أو رأت أنهم مثلوا دورهم وانتهوا ، تخلت عنهم ، وبادلتهم برجالاً أقوى منهم ، وأعظم كفاءة ، وأجدر بالموقف ، ولم يمنعها من إقالتهم أو إقصائهم من الحكم ، فأصبح الزعماء ورجال الحكم حذرين ساهرين يخافون رقابة الأمة وعقابها ، وبطش الشعوب الجبارة .
فمن أعظم ما يخدم الشعوب الحالية ، وتؤمن من المهازل والمآسي التي لا تكاد تنتهي هو إيجاد الوعي في طبقاتها المختلفة ، وتربية الجماهير التربية العقلية والمدنية والسياسية .
إننا نحتاج اليوم إلى مثل أولائك الشباب الذين ليدهم القدرة على التضحية بإمكانياتهم ومستقبلهم في سبيل خدمة الإنسانية .
إن العالم العربي بمواهبه وخصائصه وحسن موقعه الجغرافي ، وأهميته السياسية ، يحسن الاضطلاع برسالة الإسلام ، ويستطيع أن يتقلد زعامة العالم الإسلامي ، ويزاحم الغرب ، بقوة رسالته ، ويحول العالم من الشر إلى الخير ، ومن النار والدماء إلى الهدوء والسلام .



واجــب الإســـلامــيــيــن الـيـــوم .

سقطة الخلافة العثمانية بتخطيط دقيق من أحزاب الباطل ، وقوى الشر بشتى مشاربها وصنوفها واتجاهاتها ، فكانت الساحة ميداناً نشطاً لأحزاب المختلفة لتتصدر قضايا المسلمين ، وتلبس عليهم دينهم ، فمزقت الأمة ، وسيطرت على مقومات حياتها ، وتنوعت تلك الأحزاب ، والحكومات المختلفة في مناهجها (1)، وفقد الناس الصورة الناصعة للقيادة الحكيمة والفئة الرشيدة ، فهم إما بعيدون عن الواقع السياسي والمعترك العملي للناس ، أو هم تحت أقبية السجون ، حتى أصبح المزج بين السياسة والإسلام إجراماً في تصور أهل الباطل ، وأصبح ذلك تصوراً عاماً عندما عامة المسلمين.
ولهذا فان عملية إنقاذ الناس من الضلال ، ومن سيطرة الباطل تتم بإيجاد قوة منظمة لها نفس البناء التكويني الشكلي للأحزاب ، ولها الخط المميز المنهجي للحركة والعمل والبناء والتنمية . (2)
وهذا العمل ليس بدعة من الأمر ، بل هو ضرورة حتمية لعلاج الأمة ، وإبعاد سيطرة الباطل ، ويجب أن تلتئم جميع القوى الإسلامية الفردية والمبعثرة ، أو الجماعية المختلفة ، وأن تعمل تلك القوى على إيجاد تجمع واحد يسير نحو الغاية القويمة لكي يعيد للإسلام نصابه ، وللمسلمين منهجهم ونمط حياتهم الإسلامي . (3)
ومما لا شك فيه أن إيجاد العمل الإسلامي الجماعي المنظم الذي يعتمد مبدأ الشورى والعدل ، والوضوح والعلن ، سيكون أمراً صعباً على كثير من النفوس التي جُبلت على التسلط والتفرد ، لذلك لا تجتمع على إيجاده إلا النفوس القوية .
لا بد أن يقوم العمل الجماعي الإسلامي على أسس وقواعد تضبط مسيرته ، وتحكم ديمومته ، ومنهجية واضحة ومكتوبة يطلع عليها الجميع ، ويتحلى بكل الصفات الحضارية ، ويتسلح بكل الوسائل العصرية ، والاتجاه للعلم بكل صنوفه وأشكاله ، وهو أساس نهضة الشعوب والمجتمعات .
إن كثير من الأفكار الإسلامية إما مستغلة أو مستعمرة ، فمجرد أن يحدث التغير النفسي للمسلم تجاه غايته التي هي إرضاء الله عز وجل تبدأ الخطوات الأولى في الطريق ، وتسير القافلة ، ولذلك يقول الله عز وجل : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ، عندها يكون الإسلام نظام شامل يتناول الحياة جميعاً ، فهو دولة ووطن ، و حكومة وأمة ، وهو خلق وقوة ، ورحمة وعدالة ، وهو ثقافة وقانون وعلم وقضاه ، كما هو عقيدة صادقة ، وعبادة صحيحة سواء بسواء . (4)
إن التطرف في الفهم تجاه أمور في الإسلام دون أمور أخرى غير صحيح ، وفهم خاطئ ، فالذي يظن أن التعاليم الإسلامية والفكرة الإسلامية تتناول الجوانب العبادية أو الروحية دون غيرها من نواحي الحياة مخطئ في هذا الظن ، لا بد أن تتكون عقليات روحية وسياسية وفكرية وعلمية مختلفة ، عندها تتكامل الشخصية الإسلامية وتكون قادرة على النهوض والتقدم والرقي الحضاري .
لقد أدرك أعداء الإسلام خطورة اتصال الدعاة بالجماهير ، وأدركوا دور الجماهير في نصرة الحق وتأييده ، فعملوا بكل ما أوتوا من جهد على عزل الدعاة عن هذه الجماهير بالإشاعات المُغرضة ، والتهم الملفقة ، وصوروا للجماهير أن هؤلاء الدعاة إرهابيون متطرفون ، غرضهم الإساءة لعامة الناس ، وهذا كله لتظهر الدعوة الإسلامية بمظهر الطائفة المفارقة لعامة الناس ، فيتحقق بذلك الفصل بين الدعاة وبين الأمة في الآمال ، والآلام . (5)
في الوقت الذي تتنافس فيه الدعوات والأفكار على الجمهور ، وكل يحاول أن يحتوي هذا الجمهور لصالحه ، ويوظفه في صفه ، فإن دعوة الله وحدها تعمل لخير الجمهور ، ولا تريد من الجمهور أن يكون بقرة حلوباً لصالح فرد أو فئة أو حزب ، فهي دعوة تعطي من يؤمن بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، ومنهاج حياة ، أياً كان لونه وجنسه ولغته ، أرفع الرتب البشرية والمقامات العالية . (6)
إلى متى سيبقى المسلم عبداً لغيره ، ويهجر هذا العالم ويعتزله ، ويتنازل عنه زهدا ًفيه ، أو هروباً منه ؟
لا ينهض العالم الإسلامي إلا برسالته التي وكلها إليه مؤسسه محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بها والاستماتة في سبيلها ، وهي رسالة قوية واضحة مشرقة ، لم يعرف العالم رسالة أعدل منها ولا أفضل ولا أيمن للبشرية منها .(7)
إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .
من ضيق خناق هذه الحياة المادية ، والمسيطرون السياسيون الذين يحتكرون وسائل الحياة والرزق والقوت ، يضيقون هذه الحياة لمن شاءوا ، ويوسعونها لمن شاءوا ، يبسطون الرزق لمن شاءوا ويقدرونه لمن شاءوا ، فأصبحت المدن الواسعة أضيق من جحر ضب ، وأصبح الناس في بلادهم في حجر ، كحجر السفيه واليتيم .
وأصبح الناس في أغلال وأصفاد في كل مكان ، مهددين في كل وقت بمجاعات مصطنعه وحقيقية ، وحروب خارجية وداخلية ، واضطرابات شبه يومية . (8) .
لقد انفضحت الأنظمة المصطنعة وبدت سوأتها للناس ، واشتد تذمر الناس منها ، فهذا طور انتقال من قيادة الظلم والجور والفساد ، إلى قيادة العدل والتنمية .(
9)
إن علة المسلمين اليوم هو الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها ، والارتياح إلى الأوضاع الفاسدة ، فلا يقلقه فساد ، ولا يزعجه انحراف ، ولا يهيجه منكر ، ولا يهمه غير مسائل الطعام والشراب واللباس .
إذا أردنا أن نضطلع برسالة الإسلام ، فلا بد من تجميع للقدرات المبعثرة ، والاستعداد التام في العلوم والصناعة والتجارة والسياسة ، وكل الفنون الحياة المختلفة .
إن التماسك حول العقيدة القويمة ، والقيادة الأمينة هو الذي يتعب الأعداء في كل زمان ومكان ، وهو الذي يكلفهم الجهد والمشقة ، عندها تتجه جهودهم لتحطيمها .(10)
فهل حان الأوان أن نفيق من سباتنا ، ونطلق من ركودنا ، ونتجه نحو الواقع بالبناء والتطور ، لنحقق العدل والتنمية لشعوبنا ؟ .
(1) الأهداف الرئيسة للدعاة إلى الله - ص21 .
(2) جند الله – ص25 .
(3) الأهداف الرئيسة للدعاة إلى الله – ص22 .
(4) رسائل البناء – ص11 .
(5) قواعد الدعوة إلى الله - ص145 .
(6) قواعد الدعوة إلى الله - ص147 .
(7) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين – ص285 .
(8) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين – ص286 .
(9) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين – ص288 .

نـــداء إلــى شبــاب ثــورة الــيـمـن .


كنت أقول قبل حوالي أربعة أشهر وأنا احلل المشكلة الجنوبية ، وما توصل إليه الناس من قناعة بفك الارتباط والرجوع إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ، فالانفصال حاصل لا محالة إلا أن يكون هناك أمر إلهي يغير الخارطة بالكامل دون أي تدخل للبشر في صنع ذلك .
كان الانفصال قاب قوسين أو أدنى وان طال والوقت فسيكون خلال بضع سنين ، ولكنها القدرة الإلهية التي غيرة الخارطة العربية اجمع .
اعتقد أن الأمر الإلهي قد اتضحت معالمه ، وهو التغير المفاجئ الذي حدث للشعوب العربية ، وللشعب اليمني وخاصة المناطق الشمالية على وجه الخصوص.
لقد كان الجنوبيون ينظرون إلى إخوانهم في المناطق الشمالية ليس بمنظار الكراهة المتوارثة ، بل بسبب سكوتهم عن ظلم الحاكم المستبد لأبناء المناطق الجنوبية ، وما حل بممتلكاتهم وأرضهم وثرواتهم ووظائفهم ، ولم يكن هناك من يناصرهم في مطالبهم المشروعة والوقوف إلى صفهم ، حتى بمجرد أن يقال أن أبناء الجنوب أصحاب مطالب حقيقية بسبب ممارسات النظام القمعي الذي يتربع على عرش الفتن والمشاكل والتفريق بين الناس ، ولا بد من إنصافهم إلا القليل ممن ليس لهم حول ولا قوة .
لقد عانى أبناء المناطق الجنوبية الكثير ، وخاضوا نضالا سلميا لفترة تزيد على خمس سنوات متتالية إلى وقتنا الحاضر ، وقدموا الكثير من الشهداء والجرحى والتشريد والسجن والإرهاب بكل صنوفه وألوانه ، وكان باستطاعتهم أن يدافعوا عن أنفسهم بما لديهم من سلاح ، ولكن رقم التضحيات كان كفاحهم سلميا ، وهذه النقطة من النقاط التي يجب على شباب الثورة حاليا في اليمن ككل أن يستفيدوا منها ، بل ويقدموا وسام شكر لأولئك الشباب الذي بذلوا كل غالي ونفيس من اجل الكفاح والنضال السلمي في نيل الحقوق المشروعة .
ففي هذا المقام أحب أن أوجه نداء لشباب الثورة في عموم محافظات اليمن حتى لا يقعوا بكمائن ومكائد النظام التي زرعها منذ سنين ، وعندها نستطيع أن نتقلب على المشكلات التي تعصف باليمن السعيد ، ونثبت أننا يمن واحد .
أولا : أنني أنادي الشباب أن يصمدوا في نضالهم وتضحياتهم مهما كلف الأمر وبالطرق السلمية ، حتى نثبت للعالم اجمع أننا شعب حضاري ، وليس كما روج النظام وأشاع بأننا شعب متخلف لا نعرف إلا لغة القتل والسلاح في وجه بعضنا البعض ، ولا يمكن أن نقدم التنازلات إلا لغيرنا .
ثانيا : لا بد أن نحدد المستقبل الذي نريده لليمن ، ولا نمارس ما مارس النظام الفاشي على شعبه من القهر والظلم والإقصاء والاستحواذ على مقدرات البلاد لحساب فرد أو طرف بعينه فيما بيننا بعد أن ننتصر إن شا الله ، بل فيجب على الشباب اجمع أن يشكلوا مجالس في جميع المحافظات ومن ثم يحددوا النظام الذي يجب أن يكون في المستقبل ، وأن تكون هناك رؤيا واضحة للمستقبل السياسي في اليمن ، وان يكون هناك خصوصية يراعى فيها أبناء المناطق الجنوبية ومحافظة صعده بتحقيق مطالبهم ، لنتمكن من انتشال الوحدة من الوحل الذي وضعها فيه النظام الفاشي ، ونوسع برنامج التصالح والتسامح الذي نودي فيه خلال السنوات الخمس السابقة بين ابناء المناطق الجنوبية ، ليشمل أبناء اليمن اجمع ، عندها نستطيع أن نصل إلى حكم يشترك فيه جميع أبناء اليمن.
ثالثا : أن يكون الحوار هو الطريق الذي من خلاله نصل إلى تحقيق مطالب الجميع ، وأن لا يكون هناك من يستأثر بذلك ، ويطلق على نفسه الطرف القوي في مقابل الطرف الضعيف ، بل يكون الجميع صفا واحدا في نصرة المنظوم ورد الحقوق إلى أهلها ، لنقل اليمن إلى الغد المشرق الجميل .
رابعاً : لا بد أن نبني ثقافة الحكم المشترك لجميع اليمنيين في ظل تعدد الأفكار والتيارات والأحزاب في اليمن الواحد ، فلقد انتهى زمن الحاكم الواحد المستبد الذي يسخر الدولة وكل مقدراتها لخدمته ، بل تسخر كل المقدرات لخدمة الشعب ، وأن يجتمع الجميع لا لتحقيق مصالح خاصة فئوية ، بل لتحقيق مصالح اليمن الجديد .
خامساً : أحب أن أشيد بالكلام الذي قاله الشيخ حميد الأحمر في قناة سهيل بأن يكون الرئيس القادم من أبناء المناطق الجنوبية ، وأن يكون شخصية مدنية ، وذو كفاءة عالية .
سادساً : كما أن لدي اقترح موجه إلى اخواني في المناطق الشمالية وهو أن تكون العاصمة اليمنية عدن من أجل تعميق الوحدة واثبات حسن النوايا الحقيقية ، وان كان هذا الاقتراح قد يزعج الكثيرين ، فيمكن أن يكون هناك حل وسط ، وهو أن تكون كل من عدن وصنعاء عاصمة لليمن ، على سبيل المثال صنعاء عاصمة الرئاسة ومجلس النواب ، وعدن عاصمة الحكومة اليمنية والسفارات الأجنبية ، أو العكس ، ويكون هناك مطارين دوليين لكل من صنعاء وعدن .
سابعاً : الابتعاد عن النعرات الطائفية والقبلية والمناطقية الجاهلية التي انتشرت في حقبة النظام البائد ، والتعامل مع اليمنيين كأبناء قبيلة واحدة ، وأن يسود الاحترام المتبادل بين الجميع .
ثامناً : يجب دمج قوات الأمن المركزي والحرس الجمهوري والقوات الخاصة في مؤسسة الجيش ، لان هذه الأجهزة الأمنية إنما صممت من اجل حماية الرئيس فقط ، وعندها نستطيع أن نكّون مؤسسة عسكرية يشترك في صناعتها أبناء اليمن ككل ، ويجب أعادة إفراد الجيش الجنوبي الذي تم تسريحهم بعد حرب عام 94 ليشاركوا في صناعة المؤسسة العسكرية الحديثة وفق نظام عسري حديث ومستقل لا يخدم طرف على طرف ، وإنما يخدم اليمن من أي غزو أو تدخل خارجي يشترك في صناعته جميع أبناء اليمن بكل مهنية وحيادية .
تاسعاً : حل الأمن السياسي والأمن القومي وغيرها من الأجهزة امن الدولة التي صممت لقمع الشعب ، وتكوين جهاز بمواصفات مدنية تخدم المواطن والوطن ، ويشترك في ذلك الخيرين من أبناء اليمن الذين لم تلطخ أيديهم بدماء الأبرياء .
عاشراً : الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين ، والعفو عن المعارضين السياسيين في الخارج ليتسنى للجميع الرجوع والمشاركة في صناعة اليمن الجديد .
الحادي عشر : إقامة حكم محلي واسع الصلاحيات في أطار انتخابات حرة ونزيهة على أساس القائمة النسبية ، وإطلاق الحريات للمشاركة في صناعة الدولة .
الثاني عشر : أطلاق الحريات الإعلامية بكل جوانبها ، الصحفية والقنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية وغيرها من المجالات الإعلامية .
الثالث عشر : الحرية في تكوين النقابات ومنظمات المجتمع المدني ، والأحزاب .
وهناك اقتراحات كثيرة يمكن أن ننبه عليها في حينا ، وأتمنى أن يكون الشباب على قدر المسئولية .
حفظ الله اليمن حرة موحدة ، يسودها العدل والحرية والمواطنة الحقيقية .